مشهد ثمنه تاريخ من التحدي والتقاليد والأعراف

issue14عبد اللطيف المناوي
قد يكون من المناسب ونحن في الحالة التي نعانيها في مصر ان نلقي نظرة على الآخرين من الامم والدول، النظر إلى هذه النماذج يتيح لنا مزيجا من متعة المعرفة ومحاولة فهم تطور الأشياء ولكنه للأسف يصيبنا في أحيان كثيرة بالحشرة على أوضاعنا وتقاليدنا آلت أهدرت على مر السنيين.
أتاحت أي الظروف معايشة عدة أحداث بريطانية مهمة، وكما نعلم فان لنا علاقة تاريخية قديمة بهذه الامبراطورية التي كانت الشمس لا تغيب عنها في يوم من الأيام، وان مصر نالت استقلالها عنها وبريطانيا مديونة لها. سوف أشرككم معي في آخر ما تابعت من أحداث بريطانية وهو إلقاء الملكة إليزابيث الثانية لخطاب افتتاح الدورة البرلمانية للبرلمان البريطاني بمجلسيه اللوردات والعموم في الثامن من شهر مايو الحالي، وهو الخطاب الذي اعتادت على إلقائه طوال الستين عاما التي حكمت فيها بريطانيا ولم تتخلف إلا مرتين عام ١٩٥٩ و ١٩٦٣ بسبب حملها في هذا الوقت. وقبل ان اسرد بعضا من مظاهر هذا اليوم ودلالاتها ولفهمها أشير إلى ان
 بريطانيا تعتبر  رائدة النظام البرلماني ومهد الديمقراطية الحديثة في العالم، ويتجلى ذلك من خلال عمق التجربة الديمقراطية في بريطانيا والاستقرار السياسي لنظام الحكم البرلماني الذي كرسته وثبتته مسيرة طويلة من النضال قادها في البداية الملاك ورجال الدين للحد من سيطرة الملك المطلقة في كافة شؤون الدولة، أعقبتها ضغوط شعبية للتعبير عن الإرادة الشعبية ورؤيتها وممارسة دورها في الحياة السياسية والتي انبثق عنها مجلس منتخب مباشرة من قبل الشعب أضحى صاحب السلطة الحقيقية في ميدان التشريع ومراقبة الحكومة.
وتمتاز بريطانيا عن غيرها من دول العالم، في أنها لا تملك دستورا مكتوباً وإنما يرتكز النظام الدستوري فيها على الأعراف والتقاليد والعادات الدستورية.
وصلت بريطانيا إلى هذا الوضع عبر نضال طويل وتطور طبيعي للمجتمع ودماء وحروب أهلية وتجاذبات حتى وصلت إلى ذلك الوضع المستقر، ويبدو بعض من هذا التاريخ متمثلا في التقاليد المتبعة بدقة شديدة في يوم إلقاء خطاب افتتاح البرلمان. يجلس أعضاء مجلس العموم في قاعتهم بملابسهم العادية ويتعامل ون مع اليوم كأي يوم عادي، وعلى الطرف الآخر يحتل اللوردات مقاعدهم في قاعة مجلس اللوردات التي يحتل صادرتها المكان المخصص للملكة، أو عرشها، يرتدي اللوردات اروابهم الحمراء والذهبية، ويرتدي بعضهم الشعر المستعار. يفصل بين القاعتين -قاعة العموم وقاعة اللوردات- ممر من كل جانب يلتقيان في البهو الرئيسي لقصر وستمينستر مقر البرلمان. قبل ان تصل الملكة يتولى الحرس الملكي مسؤولية القصر وتبدأ مجموعة من الإجراءات التقليدية التي تبدو أنها خارج الزمن لكن هناك إصرار عبر مئات السنين على الالتزام بها، كثيرة هي التفاصيل سأتوقف عند بعضها.
من بين الإجراءات المتبعة ان تقوم فرقة خاصة من حراس الملكة الشخصيين ،من الضباط السابقين في الحرس الملكي الذين اقسموا على الولاء للملكة، بتفتيش قبو قصر البرلمان وهم يحملون قناديل مضيئة بالزيت بحثا عن بارود او مواد متفجرة وذلك تقليدا وتفكيرا بالحادث الشهير في عام ١٦٠٥ عندما حاول الكاثوليك الإنجليز محاولتهم الفاشلة لتفجير البرلمان وقتل الملك البروتستانتي جيمس الأول. بالتأكيد هذه المهمة يقوم بها اليوم خبراء المفرقعات ولكن هؤلاء الحراس بلباسهم الأحمر والذهبي هم جزء من المظهر والتقليد.
وقبل ان تخرج الملكة من مقرها في لندن -قصر بكنجهام- يقوم مجلس العموم بإرسال احد أعضائه إلى قصر الملكة ليظل فيه رهينة لا يطلق سراحه إلا بعد عودة الملكة سالمة إلى القصر، وهذا الإجراء الاحتفالي اليوم يعود إلى واقع عاشته بريطانيا وقت الملك تشارلز الأول الري دخل في صراع ومعارك طويلة وشرسة مع البرلمان انتهت بقطع رقبته في البرلمان عام ١٦٤٩ وأيضاً بوضع ملامح واضحة للممارسة السياسية في بريطانيا وحدود سلطات البرلمان والملك.
يصل قبل الملكة في عربة تجرها الخيول سيفها وصولجانها وتاج المملكة، وبعده تصل الملكة من قصرها عبر الطريق الذي يربطه بالبرلمان في عربة ملكية تجرها الخيول يقال ان العربة اشترتها الملكة فيكتوريا بمبلغ سبعمائة جنيه في ذلك الوقت. تدخل الملكة إلى غرفة خاصة ترتدي تاج المملكة وتتوجه بصحبة زوجها إلى مجلس اللوردات، وتعطي الإشارة لدعوة أعضاء مجلس العموم للانضمام إلى اللوردات للاستماع إلى خطابها. يتوجه المسؤول عن امن مجلس اللوردات الذي يطلق عليه (بلاك رود) ليدعو نواب الشعب، وما ان يمر عبر الممر المؤدي إلى قاعة مجلس العموم ويقترب من الباب يبادر أعضاء العموم بإغلاق الباب في وجهه بعنف راضين دخوله في رسالة واضحة عن من هو صاحب السلطة الحقيقية مؤكدين أنها للشعب، ويعود ذلك الإجراء بسبب محاولة الملك تشارلز الأول اقتحام مجلس العموم في ظل صراعه مع البرلمان لإلقاء القبض على خمسة من نواب الشعب بتهمة الخيانة وهو ما فشل فيه. ومنذ ذلك الوقت من غير المسموح لأي من أعضاء العائلة المالكة بالدخول إلى قلعة مجلس العموم. نعود إلى الطقس الممارس اليوم، ما ان يغلق الباب بوجه مندوب الملكة حتى يقرع باب القاعة ثلاث مرات مستأذنا الدخول إلى نواب الشعب فيأذنوا له ويفتكون الباب فينحني احتراما لرئيس العموم الذي يسمى (متحدثا) وليس رئيساً ثم يبلغها ان الملكة تطلب من أعضاء المجلس المحترمين، ثم ينحني، ان ينضموا على الفور إلى قاعة اللوردات، وعادة يبدأ النواب في التحرك وهم يتحدثون ويلقي بعضهم بعض التعليقات، وكان تعليق هذا العام على لسان عضو المعارض الميال لليسار دينيس سكينر الذي علق على مشروع خصخصة البريد البريطاني الشهير بطابع البريد الذي يحمل رأس الملكة قائلا بصوت عالي “رأس الملكة سيتم خصخصتها” وضحك الجميع متوجهين إلى قاعة اللوردات يتقدمهم ديفيد كاميرون رئيس الحكومة وايد ميلباند زعيم المعارضة جنبا إلى جنب باعتبارهم ممثلي وخدام الشعب.
يدخلون القاعة دون ان يجلسوا مع اللوردات وتبدأ الملكة في إلقاء خطابها الذي كتبه لها رئيس الحكومة وتقدم فيه ملامح العام البرلماني من خلال مشروعات القوانين التي سوف تلتزم بها الحكومة، وتتحدث عن ان حكومتها سوف تفعل كذا وكذا وتلتزم بكرا وكذا، وهكذا نعود من أجواء القرن السادس عشر إلى آفاق القرن الواحد والعشرين عندما نفسر ونسمع ما تقول. وينتهي الخطاب وتبدأ ممارسة ديموقراطية عمرها مئات السنين نشأت ونمت عبر قرون من الصراع والتطور والثورات السياسية والصناعية والتطورات الاقتصادية. وعندما يمارس البريطانيون هذه الديموقراطية يقدمون أقصى درجات الاحترام بل والتقديس لتقاليد وأعراف هي في النهاية ما أوصلتهم إلى ما هم فيه اليوم.
Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s