تعديل «حسبي الله»

kandeelعبد اللطيف المناوي

لم أفهم سبباً لاهتمام المصريين بالتعديل الوزارى الذى كان مرتقباً ثم أصبح واقعاً على رؤوسنا جميعاً الثلاثاء الماضى، لكن أظنه شكلاً من أشكال التعلق ببارقة أمل- لم تكن موجودة أصلاً- بأن المعجزة المنتظرة قد تكون كامنة فى التعديلات. نعلم أن هذا التعديل الشكلى لم يكن إلا استجابة شكلية لضغوط مُورست على نظام الجماعة من حلفائها الغربيين، وكان الطلب الغربى وقتها أن تبدأ الرئاسة جهوداً ملموسة لفتح حوار مع المعارضة، وأن تقلل من التعرض لحرية التعبير، وأن يتم تعديل وزارى مرضٍ. وبالفعل نلاحظ أن سلوكاً مختلفاً قد بدأ خلال الأسابيع الأخيرة، لكن هذا الاختلاف كان شكلياً بامتياز، يتنازل مرسى عن بلاغاته ضد الإعلاميين ولكن يستمر أعضاء جماعته ونيابته فى ملاحقة الإعلاميين، كذلك الحال عندما دعت الرئاسة إلى حوار لم يحضره إلا الأهل والعشيرة وبعض المتسلقين، ثم التغيير الوزارى الذى خرج إلى النور كما رأيناه مشوهاً استمراراً لحالة التخبط واللامبالاة برغبات الناس وعدم الفهم للأولويات، والأهم من ذلك بدا النظام الحاكم كمن يُخرج لسانه للناس جميعاً وهو يقول: الحكومة حكومتى أفعل فيها وبها ما أشاء.

وقبل أن أفسر بعضاً من هذا أشير إلى سلوك الجماعة المستمر فى اعتبار الجميع أقل ذكاءً منها باعتبارها جماعة الله المختارة، حتى فى التعامل مع حلفائها الذين طالبوها ببعض الحكمة فى الإدارة، شكلياً نفذت الجماعة ما طُلب منها، دعت لحوار وجلس البعض أمام كاميرات التليفزيون لتسجيل الموقف، وتنازل مرسى، باعتباره رئيساً، عن بلاغاته ضد الصحفيين والإعلاميين وخرجت تصريحات فارغة عن الاحترام المطلق لحرية التعبير، وتم تعديل وزارى لعدد لا بأس به من الوزراء، ولكن الحقيقة البعيدة عن الشكليات أن الوضع لم يتغير والهيمنة أو الأخونة والإقصاء مازالت هى الأسلوب الذى يدار به البلد، وعمليات الإرهاب للإعلاميين وأصحاب الرأى مستمرة «بالقانون» «وبما لا يخالف شرع الله». أما الحكومة فقد أصبحت أكثر وضوحاً بعدما تم الإبقاء على عناصر الجماعة وتدعيمها بعناصر إضافية أيضاً منها، لكن ميزتهم أنهم سيبدأون كلامهم دائماً بالتأكيد على أنهم «مش إخوان» وطبعاً لازم نصدق!!

أعود إلى التعديل الوزارى «الفظيع» الذى علمنا به من المقطم قبل لاظوغلى، وأستعير هنا تعليق الصديق العزيز الأديب والروائى يوسف القعيد عندما قال: «إن التعديل الوزارى كشف الارتباك وانعدام الرؤية التى يدير بها النظام الحالى مصر»، واصفاً الطريقة التى جرى بها إجراء التعديل الوزارى ومقابلة جهات مختلفة للمرشحين منها «حزب الحرية والعدالة»، و«جبهة الضمير» بـ«الأمر المُضحك للغاية».

أظن أن الدفاع الأول لدى من يدافع عن سلوك الجماعة بمنطق أو بدون سوف يقولون- وهم قالوا بالفعل- إن المناصب الوزارية قد عُرضت بالفعل على شخصيات مشهود لها بالكفاءة لكنهم رفضوا، وهذا يمكن أن يكون صحيحاً، لكن ينبغى ألا يكون اللوم موجهاً لهم لأنهم رفضوا ولكن ينبغى أن نسأل: لماذا رفضوا؟ ويمكننى هنا أن أحاول الإجابة نيابة عن هؤلاء بالقول إن من يرضى بالمشاركة فى هذه المرحلة يسأل نفسه أولاً: ما هى أهداف من يديرون؟ وأظن أنه لا يوجد مصرى مخلص يرفض أن يقدم ما يستطيع لإنقاذ مصر من محنتها لو أن القائمين على إدارتها يسعون لذلك، لكن عندما يبدو واضحاً أن هؤلاء إنما يديرون ويتحكمون لصالح جماعتهم، وأن أهدافهم من الإدارة تغيب عنها المصلحة الحقيقية للوطن والمواطن، ساعتها يكون القرار بعدم المشاركة بقصد أو بدون قصد فى استكمال عملية القيادة والسيطرة والتمكين للجماعة على حساب الوطن. إذا ما أضفنا لذلك طبيعة وقدرات وشخصية من تم اختياره للقيادة واستمر الإصرار عليه لغرض بسيط وواضح أنه سهل القيادة والاختراق ولن يقول لا، عندما يكون هذا هو الحال فإننا ينبغى ألا تفاجئنا الاختيارات ولا أن نلوم من رفض أن يشارك فى عملية الترقيع فى هذه الكوميديا السوداء.

معظم الجدد لا يختلفون عن الموجودين، لم نسمع عنهم ولا أظن أننا سنسمع عنهم بعد أن يغادروا، لذلك أصيب العاملون والمهتمون فى المجالات التى أصابها التعديل الوزارى بمزيج من الغضب والمفاجأة والدهشة والسخرية- نعم كل هذا وأكثر- عندما علموا بأسماء الوزراء الجدد، أما من لم يتم تغييره من الوزراء فينبغى أيضاً ألا يكون ذلك مفاجئاً، من أدى دوره المرسوم والمتوقع منه استمر رغم أنف الجميع، وأذكر هنا ما نُسب إلى أحد الوزراء الذى توقع كثيرون أنه راحل لا محالة، رغم أنه نجا فى التعديل السابق، خرج الوزير على شاشته يوم الإعلان عن أن تعديلاً وزارياً قد تقرر، قال للمشاهدين بثقة مطلقة إن التعديل لن يطاله، وإنه «قاعد على قلبكم» كما قال حرفياً، السبب ببساطة أن لكل مسؤول وظيفة ودوراً، ومن يقرر نجاحه واستمراره من عدمه هم من يمسكون بالفعل بمقاليد الأمور.

لا أملك إلا أن أنضم إلى رد الفعل التلقائى الذى ساد معظم المصريين الذين عبّر أحدهم تعليقاً على التعديل الأخير: «حسبى الله ونعم الوكيل».

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s