نهضتنا ونهضتهم

blue nile falls4[1]عبد اللطيف المناوي

حذرت قبل ثلاث سنوات فى سلسلة مقالات من أزمة المياه، وسد النهضة، وسافرت إلى إثيوبيا وإريتريا، والتقيت رئيس وزراء إثيوبيا الراحل ميليس زيناوى، والرئيس الإريترى أساس أفورقى فى محاولة للتواصل وإتاحة الفرصة للرأى العام أن يعرف ماذا يدور، ولاقتناعى بأن للإعلام دائماً دورا إن لعبه بشكل صحيح وفى إطار أهداف قومية خاصة فى الشأن الخارجى يمكن أن يكون عاملا مساعدا فى التوصل إلى حلول، ووقتها كان اهتمامى للأزمة التى كانت تهدد مصر بحرب مياه.

ذهبت وقتها إلى إثيوبيا وأريتريا والسودان وجنوب السودان فى محاولة للفهم، فالمشكلة لدينا هى التصورات المسبقة دائما عن الأشياء والأشخاص، والتى تجعلنا أحيانا نصل إلى نتيجة خاطئة، ومحاولة الفهم كانت محاولة لفهم ما يحدث الآن فى ملف حوض النيل، حول سبب الموقف الإثيوبى، فى محاولة لفهم أين نقف نحن الآن من هذه القضية.

وكان الحل المصرى المطروح وقتها، هو أن مصر لن تسمح ببناء أى سدود تؤثر على حصتها المائية والقانون الدولى يقف فى صفها فى هذه النقطة، كما أنها فى نفس الوقت الذى تتم فيه دراسة أى سدود تقام على النيل من دول المنبع، تبدى مصر استعدادها للمساهمة والمعاونة فى إنشائها ما لم يضر بمصالح الأمن القومى المصرى، واعتقادى أن هذا هو المدخل الصحيح لحل هذه الأزمة، التعاون والدراسة والتفاوض فى نفس الوقت.

تعتبر الدول التسع المشتركة مع مصر فى حوض النيل دولاً غير مستقرة، وغير قادرة على أن تبدأ مشروعات كبرى على النهر أو استصلاح أراض زراعية، ولديها أوضاع داخلية تعانى منها، فبعضها يعانى من حروب أهلية وصراعات قبلية ومشكلات اقتصادية، ومثل هذه المشروعات الكبرى تحتاج إلى تمويل دولى، وهذا التمويل لن يأتى دون دراسات جدوى تقر من كل الدول المنتفعة بالنهر، ومن هنا يأتى مدخل مصر للتعامل مع هذه الأزمة، وأيضاً هذه النقطة هى إحدى النقاط التى يمكن أن ترجح عدم وجــود خطر عاجل يهدد تدفق النيل إلى مصر فى المستقبل المنظور.

كانت هناك عدة تحركات سياسية لمصر فى تلك الفترة، أهمها بالتأكيد حرص مصر على علاقاتها الوطيدة مع دول حوض النيل، خاصة إثيوبيا التى ترتبط مائياً مع مصر والسودان، وأن تنمية موارد الهضبة المائية تقوم على المشاركة الفعالة للدول الثلاث، حيث تتمتع معظم دول الحوض بأكثر من مصدر للمياه بينما لا تزيد حصة مصر من الأمطار 20 ملم فى الوقت الذى يصل فى بعض الدول من دول الحوض إلى 20 ألف ملم، أى أن مصر تعانى عجزا مائياً وصل إلى أكثر من 30 % وتتغلب عليه من خلال إعادة الاستخدام، من هذا المنطلق فإنه ينبغى أن نعلم أن أى تكلفة أو عبء أو جهد يتم فى منطقة دول حوض النيل ليس إهدارا للموارد أو الطاقات، وإنما هو شكل من أشكال الاستعمار المباشر فى المستقبل، وبالتالى فإن التعاون والاقتراب من هذه الدول هو مسألة مصيرية ومهمة، ومن هنا جاءت أهمية المبادرة الرئاسية وقتها لإنشاء مفوضية دول حوض النيل بغض النظر عن التوقيع الآن على الاتفاقية الإطارية بين دول حوض النيل. وتوازى مع ذلك مسألة مهمة جداً هى الحرص على عدم التصعيد فى لغة الخطاب حول هذه القضية، مع التأكيد على أن حقوق مصر التاريخية فى مياه النيل هى حقوق غير قابلة للمناقشة أو المساس بها.

ولكن فى ذات الوقت لا ينبغى أن تأخذ الحماسة البعض منا، أو الرغبة فى تحقيق بطولات وهمية بأن نصل باللغة إلى حد التهديد والوعيد ودق طبول لحرب ليس لها طبول، ولكن تكون معالجة الأمر بالصبر والاستمرار فى التفاوض وتأكيد مفهوم التعاون كأساس لتعويض ما فات والحفاظ على حقوقنا التى لن تمس.

وعلى الرغم من مرور 3 سنوات على هذا، لكن الجماعة التى تحكم مصر غرقت وأغرقتنا معها فى فشلها وأطماعها ونهضتها الكاذبة. فبحسب تقارير صحافية، فالجماعة لم تستيقظ بعد من سباتها، وما زالت تدرس التقرير النهائى للجنة الخبراء، حول سد النهضة الإثيوبى، والذى سيتم تقديمه قبيل نهاية مايو الجارى، تمهيداً لعرضه على رؤساء مصر والسودان وإثيوبيا، والذى يوضح أن ملامح التقرير توضح أن الدراسات الإثيوبية بشأن السد «غير مكتملة» وهو ما سبق أن خلص إليه آخر تقرير مرحلى للجنة الخبراء، فيما أكدت دراسة علمية أن النتائج المتوقعة من إنشاء السد ستكون «كارثية» وستؤدى لتشريد ملايين الأسر المصرية. وأضاف المصدر أن التقرير النهائى سيكون له دور مهم فى تقييم اللجنة لمدى التأثير السلبى لسد النهضة على دولتى المصب لنهر النيل، وهما مصر والسودان، وهو ما سينعكس على خطة التحرك السياسى للدولتين نحو المشروع الإثيوبى.

لكن الغريب والمثير للتساؤل حقا هو أن رئيس الوزراء كان ينبغى أن يكون على علم بأبعاد الأزمة القادمة فى المياه بصفته كان يقوم بأعمال السكرتارية، التى تعنى أنه يطلع على الأوراق والدراسات بصفته مديرا لمكتب وزيرين على مدار خمس سنوات ثم وزيرا للرى، إلا أنه زاد الطين بلة، وزاد الغرق غرقاً فى أوحال أزمة النيل.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s