فشل إدارة الدولة لحساب الجماعة

عبد اللطيف المناويIMG_0132

الأمر الأكيد أن إدارة مصر فى هذه المرحلة على مستوى الدولة هى إدارة فاشلة بامتياز، بل أتوقع أن تتحول تجربة حكم الجماعة – التى لا يعرف أحد مداها – إلى نموذج يدرّس فى المستقبل، ليتعلم منه الدارسون كيف يتجنبون الفشل بتجنب أساليب الجماعة فى الحكم. ليس هذا تجنيا عليهم، وليس تقليلا أو تقزيما غير مستحَق لهم، لكنه بحق توصيف لواقع يراه كل قادر على الرؤية، وينكره مَن باعوا عيونهم وبصيرتهم وعقولهم، تنفيذا لالتزامات السمع والطاعة، أو طمعا فى مكاسب صغيرة وقتية على حساب الوطن والحق والمصلحة العامة، وهم كُثر فى كل العهود.

عندما سيطرت الجماعة – أيا كانت الوسائل – كان المتفائلون يعتقدون أنهم جماعة غنية بكوادرها التى هُضِم حقها على مدار عقود، وأنها – أى الجماعة – قادمة، إضافة إلى هذه الكوادر «الجبارة»، بعلاقات دولية قوية داعمة لهم، لينجحوا فى أول تجربة وأكبرها للحكم، خاصة مع حديث المليارات التى استعد الناس نفسيا لاستقبال انهمارها على الشعب، المنتظر لها. وكان من بين المتفائلين من اعتقد أن الجماعة لن تظل أسيرة حقد الماضى وسواد النفس، وأنهم سوف يبدأون بالتعاون مع جميع الأطراف السياسية والقوى الاجتماعية المختلفة والمكونة لنسيج الوطن، ليحاولوا جمعهم تحت هدف واحد هو إعادة البلد إلى طريق التقدم، والانطلاق نحو وضع أفضل، بعدما توقفت خلال الفترة الانتقالية، وبالتالى كان أمل المتفائلين أن تكوّن aائتلافا وطنيا جامعا يشكل قوة ضاربة تحت مظلة إعادة البناء. كانت التوقعات السابقة هى توقعات المتفائلين، وكان هؤلاء المتفائلون نوعين، الأول يمكن وضعهم تحت عنوان «المخدوعون»، وهم أولئك الذين لم يعلموا الكثير عن تاريخ الجماعة وفكرها وحقيقتها، كجماعة رافضة للآخر، إلا بشروط، وهؤلاء لا يلامون، لأنه ليس مطلوبا من كل شخص أن يدرك كل التفاصيل. النوع الآخر هم من يمكن أن نطلق عليهم «الخادعون»، الذين يعلمون حقيقة الجماعة، لكن لأغراض وقتية وانتقامات شخصية تجاهلوا ما يعلمون، وساهموا فى توريطنا جميعا، وبعدها اعتذروا، بعدما أضيروا شخصيا هم وأطماعهم، وكان اعتذارا بعد فوات الأوان، أو بعد «الفأس ما وقعت فى الرأس».

البعض ممن كان يدرك حقيقة الجماعة وتاريخها كان فى موقف المتشائمين، وهذا التشاؤم كان تعبيرا عن واقعية أكثر منه تعبيرا عن موقف سياسى، أولئك المتشائمون فضّل بعضهم الصمت والانتظار، تخوفا من أن يُتّهَم بأنه ضد الجماعة، بالمفهومين اللغوى والتنظيمى، أما من جاهر بموقفه فقد ناله الكثير من النقد والهجوم من قبل أتباع الجماعة.

لم نحتَجْ الكثير من الوقت لتكشف الجماعة عن حقيقتها، ولن ينتظر المتشككون الصامتون كثيرا حتى يخرجوا عن صمتهم. أما أولئك المؤيدون- لرغبة فى النفس – لا تعبيرا عن موقف حقيقى – فقد اكتشفوا الخدعة التى وقعوا فى غيّها، أو قل «المقلب» الذى شربوه فتراجعوا وأعلنوا عن أسفهم واعتذارهم عما اقترفت يداهم بتأييدهم للجماعة، رغم معرفتهم بحقيقتها، ولكن بعد فوات الأوان.

فى الحقيقة خذلت الجماعة كل المصريين فى البداية إلا أتباعها، فقد كشفت سريعا عن حقيقة الخواء الكبير الذى هو حقيقتها، ظللنا نسمع كثيرا من القرع والضجيج، وعندما أتى موعد الطحين لم نحصل إلا على نتائج الفشل. الخبراء والكوادر التى لا تعد ولا تُحصَى لم تكن إلا جعجعة، فلم نر منهم إلا أقل القليل، وهذا يعنى إما أن هؤلاء كل مَن يملكون، أو أن الآخرين يرفضون أن يشاركوا فيما يعرفون أنه فشل إدارة يؤدى إلى مهزلة. أما المليارات المتخمرة فليست سوى مليارات ضائعة، تسعى حكومة الجماعة للحصول على عدة مليارات أقل من أصابع اليد الواحدة، وتمثل عشرة فى المائة من احتياطى مصر الذى ضاع فى عامين، ويحاولون إقناع البسطاء بانتصارات وإنجازات وهمية أجهزة الدولة تُسَخّر قدراتها على الإعاقة و«التطفيش» تجاه مستثمرى واستثمارات الدول الأخرى التى يغيب الود أو الدفء فى علاقة الجماعة بها، ويكفينا أن ننظر ونرصد حجم الإعاقات والمشكلات التى تواجهها الاستثمارات الإماراتية على سبيل المثال، وأظن أن الكثيرين يعلمون حجم المشكلات التى تواجهها هذه الاستثمارات والمستثمرون فى مصر، وهم فى الحقيقة يدفعون ثمن توتر العلاقة بين الجماعة والدولة فى الإمارات، بسبب نشاط الجماعة المعادى لنظام الحكم هناك والعمل على تفجير الأوضاع فيها، وهكذا أصبحت الاستثمارات والمستثمرون أسرى لهذا التوتر، وبالطبع يكون شعار الجماعة الدائم هو «طظ فى مصر»، كما قال كبيرهم يوما. وهكذا تُضَيِّع الجماعة بإدارتها للدولة مليارات، وتجرى وراء أخرى تضيع فيها ماء وجوهنا، وتُوَتِّر علاقات مع دول، وتُطَوِّر أخرى، والعنصر الحاكم فيها ليس مصلحة الدولة بل مصلحة الجماعة.

أما فى الشأن الداخلى وإدارته فقد تمكنت الجماعة بكل ممثليها من شق صف الوطن وتقطيع أوصاله، ساهم فى ذلك كل عناصرهم، وأصبح المصريون خنادق مختلفة تستعد لمعارك حذر البعض من أنها قد تتحول إلى حرب أهلية. نجحوا فى دفع مساوئ النفس البشرية لتظهر على السطح، وتتحكم فى شؤون حياة الناس.

أما هم فمنشغلون بالسيطرة على أوصال الوطن، والتمكن من استكمال تقييده، واستبعاد كل من على غير مواقفهم، ويدرك المتعاملون معهم حاليا، أو معظمهم، أن حضورهم وقتى مرتبط بالحاجة لهم، وما إن تنتفى الحاجة فإن التخلص منهم هو الأسلوب الوحيد وقتها.

إن وضع الدولة فى مصر الآن هو وضع غريب، فالأمر ليس فقط فشل الإدارة، ولكن الملحوظة الأخرى المهمة أن مصر الدولة تزداد فقرا فى ظل الجماعة، بينما تزداد الجماعة غنى، وهذا أمر سوف يأتى يوم الحساب فيه، ولكن للأسف لا يبدو قريبا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s