ذبح القضاء مقدمة لاستباحة الوطن

gavelعبد اللطيف المناوي

يخطئ من يتقاعس عن حماية المؤسسات الباقى الأمل فيها بدرجات متفاوتة، وهنا أقصد تحديداً ودون ترتيب الجيش والقضاء والأزهر. وأظن أنه يمكننا ببساطة أن نلحظ تلك المحاولات المستمرة من أجل السيطرة عليها من قبل الجماعة، أو بحد أدنى تحييدها أو تقزيمها، بحيث لا تمثل عائقاً أمام الطموح الجامح للجماعة.

الأكيد أن القضاء المصرى يعانى من الاضطهاد ومحاولات فرض السيطرة عليه بالقوة من فصائل سياسية إما منتمية أو موالية للنظام الحاكم وعلى مرأى ومسمع منه دون أن يتدخل لإلزامها باحترام سيادة الدستور والقانون واحترام استقلال القضاء ورجاله. هذه الحقيقة جاءت فى بيان صدر للجنة شباب القضاة والنيابة العامة.. أهميته تنبع من أنه يعبّر بصدق عن تيار يقرأ ما يحدث برؤية ثاقبة، وصدق وصفهم لما يحدث بأنه عملية إرهاب لشيوخ القضاء وشبابه لمنعهم من حماية مؤسستهم من مشروعات الهدم التى تتعرض لها من الجماعة وتابعيها.

أظن أن ما يحدث الآن يصغر معه ما اصطلح على تسميته «مذبحة القضاء» فى الستينيات التى كانت إحدى أكثر النقاط سواداً فى تلك الفترة رغم كل ما قيل وقتها وبعدها تبريراً أو تفسيراً، وللتذكرة سريعاً أقول، وقع ما عُرف باسم «مذبحة القضاة» فى 31 أغسطس 1969، بعدما حدثت نكسة 1967 وكانت لها آثارها النفسية الهائلة فى الشعب بكل فئاته وطبقاته بمن فيهم رجل القضاء، فأصدر نادى القضاء بياناً يدعو فيه إلى إعادة البناء وإصلاح ما فسد.. لإزالة آثار العدوان الإسرائيلى. ونادى البيان بوجوب تلافى الأخطاء السابقة التى أدت إلى النكسة.. بوجوب احترام سيادة القانون وتأمين استقلال القضاء..

وإلغاء الازدواجية والتعددية فيه وتأمين حق كل المواطنين فى أن تكون محاكماتهم أمام قاضيهم الطبيعى.. وإلغاء جميع المحاكم والقوانين الاستثنائية، ورُفع الأمر مشوهاً إلى عبدالناصر عن طريق الجهاز السرى الطليعى المشكل من بعض ضعاف النفوس من رجال السلطان فى القضاء فى ذلك الوقت- ما أشبه الليلة بالبارحة- لكن كل هذا الكلام فسره أعوان السلطة بأنه هجوم على المكاسب الاشتراكية، كما يفسرون اليوم مواقف القضاة الذين يقدسون دورهم بأنها ضد الشعب.

وتشكلت لجنة لكتابة كشف بأسماء بعض رجال القضاء بناء على التقارير المكتوبة وقامت اللجنة بالتوصية بإحالة حوالى مائتين من خيرة رجال القضاء إلى المعاش منهم جميع أعضاء مجلس إدارة نادى القضاء فى ذلك الوقت.

وكان نص القرار الذى أصدره عبدالناصر هو عزل جميع رجال القضاء فى مصر ثم إعادة تعيينهم بعد استبعاد 200 أحيلوا للمعاش وآخرين نقلوا لوظائف مدنية.

أعود إلى تحذيرات شباب القضاة الذين يتوقعون أنه سيتم الضغط بكل السبل المشروعة وغير المشروعة على القضاة ليقبلوا أن يناقش مجلس الشورى المعين غالبيته بغير انتخاب من قبل الحزب الحاكم تعديل أحكام قانون السلطة القضائية تحت شعار تحقيق استقلال القضاء، بيد أن ما يحاك هو الاستغلال بعينه.

وعند مناقشة القانون والتعديلات المقترحة تتطوع بعض الأحزاب الموالية للحزب الحاكم بتقديم مشروعات للتعديلات التى يقترحونها، والتى بالقطع ستكون فى غاية التطرف. هنا يتدخل الحزب الحاكم بمشروع قانون يُصوَّر على أنه يحقق استقلال القضاء ويلقى بالقطع استحسان الأحزاب الموالية له ويحوى هذا المشروع بين طياته بعض التعديلات كخفض سن التقاعد للقضاة إلى 65 سنة، وزيادة نسبة المعينين فى القضاء من غير أعضاء النيابة العامة، وفرض قيود على سلطات الجمعيات العامة للمحاكم، وتقويض صلاحيات واختصاصات مجلس القضاء الأعلى مع زيادة أعضائه بالانتخاب، وهى قد تبدو وكأن فى ظاهرها الرحمة ولكن فى باطنها العذاب.

عندما يعارض القضاة هذا المشروع سيُتهمون بالفساد والإفساد ثم يأتى دور قضاة النظام الذين سيسارعون بإعلان موافقتهم التامة على هذا القانون المقترح وينتشرون فى جميع وسائل الإعلام لإشعار الشعب أن القضاة المعارضين لهذا القانون هم قلة قليلة فاسدة يجب أن يتطهر القضاء منها. بعد عزل آلاف القضاة الذين تجاوزت أعمارهم 65 سنة بموجب سريان أحكام قانون السلطة القضائية المصطنع، ومع بدء العام القضائى الجديد اعتباراً من أكتوبر 2013 سينكشف الغطاء عن أن التقاضى أمام محاكم الجنايات بات على درجتين وفقاً للدستور وبالتالى ستحتاج هذه المحاكم التى يعمل فيها قضاة الاستئناف مزيداً من القضاة لأنها فقدت الآلاف فى «التطهير» بل إن قضاتها الحاليين قبل خفض سن التقاعد غير كافين لذلك.

وهنا يأتى الفصل الأخير لتتحقق النهاية المرجوة، فوفقاً للقانون المصطنع من الحزب الحاكم وأعوانه يجوز تعيين قضاة بمحاكم الاستئناف والنقض «أعلى درجات المحاكم ويعمل فيها شيوخ القضاة» ومن ثم سيُعيَّن فى هذه المحاكم أعداد ضخمة من المحامين مؤهلاتهم الرئيسية أن يكونوا من الأهل والعشيرة.

هى مؤامرة متكاملة الأركان فهل سنكتفى- أقصد هنا أفراداً ومؤسسات مسؤولة عن الوطن- بالمشاهدة والشكوى من الزمن الذى نعيشه، أم أن هناك مواقف أخرى؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s