اختفت المرأة الحديدية وتركت خلفها الجدل والاحترام

abd el latifعبد اللطيف المناوي
على الرغم من التوقع باختفاء بعض الشخصيات من الساحة بوفاتهم إلا ان لحظة الموت في حد ذاتها تبدو للحظة وكأنها مفاجأة، وبعض الأشخاص يتركون وراءهم جدلا يستمر كما كان أثناء حياتهم، من هؤلاء الأشخاص مارجريت تاتشر المرأة الحديدية التي شغلت العالم وساهمت في تشكيل ملامحه في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وصاحبة أكبر بصمة في شكل بريطانيا الحديثة. ماتت تاتشر على سريرها في فندق ريتز الذي يطل على الحديقة الملكية الشهيرة (جرين بارك) ليس بعيدا عن قلب الحياة السياسية في العاصمة البريطانية لندن، حيث مقر البرلمان والحكومة وقصر الملكة. رغم اختفاءها عن الحياة العامة منذ فترة إلا ان خبر وفاتها كان الخبر الأهم على الإطلاق في بريطانيا، المرأة الحديدية التي انقسمت بريطانيا على نفسها بسبب سياستها اتفق الجميع على قيمتها وأثرها في الحياة البريطانية.
حاول المذيع كثيرا مع عدد من قادة الأحزاب والسياسيين  المختلفين مع تاتشر وسياستها وسياسة حزبها أن يدفعهم لانتقائها لكن الجميع بقدر كبير من الاحترام والتقدير لها رفضوا الانسياق وراء الاختلاف وقرروا ان يتحدثوا عن مارجريت تاتشر القيمة في التاريخ البريطاني وكيف أنها ساهمت في وضع بريطانيا بشكلها الجديد على خريطة العالم وكيف شكلت المجتمع البريطاني وكيف دفعت الأحزاب والقوى السياسية المختلفة ان تعدل وتطور من مواقفها السياسية لتتمكن من مجاراة المرأة التي غيرت وجه السياسة والاقتصاد في بريطانيا. هنا القيمة التي توقفت أمامها كثيرا كيف يحترم الناس تاريخهم ولا يهيلون عليه التراب ولا يتهمون صناعه بالخيانة والخسة ولا يسبونهم ولا يعلنوا أيامهم. هذا هو التعامل باحترام مع التاريخ ومع الأشخاص الذين صنعوا هذا التاريخ حتى لو اختلفنا معهم.
 ثاتشر كانت من أبرز الشخصيات التي رسمت السياسات في النصف الثاني من القرن الماضي. وثاتشر التي توفيت عن عمر يناهز 87  لم تنم أكثر من 4 ساعات في الليلة، اعتادت على مواجهة التحديات، أصعبها عندما نصحها وزراؤها بالتفاوض مع الأرجنتين لشكوكهم في قدرة بريطانيا عسكريا على تحرير جزر الفوكلاند عام 1982. السيدة الحديدية لم تتخذ طوال تاريخها السياسي سوى مواقف مبدئية، فرفضت التفاوض وأبحرت سفن البحرية الملكية نحو الفوكلاند.
ثاتشر أطول رؤساء حكومات بريطانيا بقاء في «داونينغ ستريت» (بين عامي 1979-1990) ولم يخسر المحافظون انتخابات أثناء زعامتها للحزب فوصفوها بأقوى الزعماء منذ السير ونيستون تشرشل. لقي انتخابها زعيمة للمحافظين عام 1975 امتعاض التقليديين من الطبقة العليا لأنها ابنة بقال من الريف لا ابنة جنرال أو أحد أقطاب النخبة.
عندما دخلت خريجة أكسفورد في العلوم «داونينغ ستريت» بفوز المحافظين الكاسح في انتخابات 1979، كان اقتصاد بريطانيا في حاجة إلى إدارته بعقلية «ابنة بقال» على دراية بتقشف ربة الأسرة من الحرب العالمية الثانية. ولم توظف طاهية أو خدما كرئيسة حكومة؛ بل أدت الأعمال المنزلية بنفسها، وأصرت على طهو وجبة الإفطار بنفسها وتقديمها لزوجها دينيس وطفليها كارول ومارك.
ولدت مارغريت هيلدا في 13 أكتوبر (تشرين الأول) 1925 لاب بقال، وفي حديثها عن والدها ذات مرة، قالت ثاتشر: “يرجع الفضل بالطبع إلى أبي في كل شيء. لقد عمل على تنشئتي وغرس لدي كل القيم التي أؤمن بها الآن.”.
.
أدت سياستها إلى صدام مع النقابات العمالية، خاصة النقل وعمال المناجم، في صراع استمر عاما وانتصرت فيه ثاتشر؛ وهو ما لم يغفره لها اليسار البريطاني.استقالت عندما واجهت تحديا لقيادتها داخل حزبها عام 1990. تخلت عن عضويتها في مجلس العموم عام 1992 وحصلت على لقب بارونة.
لم تبخل بتقديم النصيحة لخلفائها، خاصة توني بلير. وقد لقي بلير غضب اليسار البريطاني لاتباعه سياستين، اقتصادية وخارجية أقرب للثاتشرية من السياسة التقليدية للعمال.
ثاتشر التي أمرت الملكة إليزابيث، بأن يشيع جثمانها في جنازة دولة رسمية، خلفت تركة، قد ينقسم المؤرخون والمراقبون على آثارها المعاصرة أثناء حكم السيدة الحديدية، لكن لا يختلف اثنان على بصماتها الهائلة التي تركتها على المشهدين البريطاني والعالمي، في تحرير الاقتصاد، اختفت ليدي “ماجي” من الحياة بجسدها ولكنها سوف تظل دائماً من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل والاحترام في ذات الوقت لمن اتفق معها ومن اختلف معها وكلاهما كثر.

Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s