دولة مواطنين لا دولة جماعة

عبد اللطيف المناويعبد اللطيف المناوي

مرة أخرى أحذر من أن الإدارة الحالية للبلاد لن تدفع بها إلا إلى هاوية سحيقة لن ينجو منها أحد، يخطئ من يعتقد ممن يدير البلاد الآن أنهم بدفعهم للأوضاع الى هذه الحافة الخطرة سوف تسمح لهم بالسيطرة أو إتمامها، ويخطئون لو توقعوا أن سياسة اللامبالاة وعدم الاستماع للآخر والانطلاق نحو ما يعتقدونه فى صالحهم مهما كان الثمن، يخطئون لو توقعوا أن ينجح هذا الأسلوب، فالحافة التى يدفعون البلد إليها هم أول من سيدفعون ثمن الانزلاق من فوقها، فكما قلت من قبل البركان عندما يأتى لن يستأذن.

وفى إطار هذه السياسة التى تدفع إلى حافة الهاوية هو ذلك الأسلوب الذى تعاملت به الدولة مع أحداث الخصوص وما تلاها فى الكاتدرائية، والتى هى نموذج مصغر ولكن يعبر بامتياز عما يحدث عندما تشتعل الفتنة الطائفية، وفى البداية علينا أن نعترف أن هذا الخطر هو من الأخطار التى تواجه مصر منذ سنوات طويلة، وكان الخطأ الرئيسى الذى وقع فيه النظام السابق هو فى تعامله مع هذا الخطر باعتباره قضية أمنية علاجها يكون من خلال الأجهزة الأمنية ولم يتخذ خطوات حقيقية من أجل حل مسببات هذا الاحتقان الطائفى بشكل جاد وعملى على الأرض على الرغم من النوايا الحسنة الحقيقية التى تمثلت فى التعديلات الدستورية الأخيرة التى اعتبرت أن المواطنة هى أساس الدولة.

 الخطأ الثانى الذى وقع فيه النظام وقتها هو تلك المغازلة التى كانت مستمرة للتيارات الدينية وهو الأمر الذى دفع النظام ودفعنا نحن ثمنه الآن. نتيجة لهذه الأخطاء لم يتم ترجمة مفهوم المواطنة بشكل عملى من خلال تفعيلها فى المستويات المختلفة للدولة ومن خلال حزمة من القوانين التى تؤصل وتؤكد هذا المفهوم، بمعنى أن تتحول الدولة الى دولة مدنية بحق وأن يكون المواطن هو أساسها والمواطنة هى العنصر الحاسم فى رسم العلاقات بين الدولة ومواطنيها وبين المواطن وأى مواطن آخر.

ما وقع فى مصر خلال الأيام الأخيرة هو نموذج لهذه الإدارة العابثة والتى لن تؤدى إلا إلى الانهيار، ولغة الخطاب المستخدمة من مختلف مستويات المسؤولين إضافة إلى القرارات المتخذة تؤكد هذا المعنى. أيضا كان الأسلوب المفاجئ لجهاز الشرطة فى التعامل مع الوضع المتفجر داخل الكاتدرائية أثناء تشييع الجنازة مثيرا للتساؤل، فالشرطة التى نجحت باقتدار يشهد لها به فى الذود عن مقار الجماعة والمقر الرئيسى فى المقطم هى ذات الشرطة التى فشلت فى الدفاع عن حرم مشيخة الأزهر، وهى أيضا ذات الشرطة التى فشلت فى تأمين الكاتدرائية فى وقت مشحون، بل قررت أن تساهم فى إشعال الموقف بقنابل الغاز المستوردة حديثا!! هذا الموقف هو فقط جدير بالتوقف أمامه وتقديم تفسير مقنع للمصريين أصحاب هذا الوطن.

وفى سلوك يفتقد أولويات الحس السياسى يخرج مساعد الرئيس فى بيان له حرص أن يكون باللغة الإنجليزية ليخاطب به الرأى العام الدولى الذى بدأ يدرك حجم الخطأ الذى وقعت فيه قياداته بتبنى مشروع تمكين جماعات الإسلام السياسى من الحكم فى المنطقة، اتهم السيد المساعد بعض المشيعين الغاضبين من المسيحيين بالاعتداء على المارة وعلى السيارات فى شارع رمسيس مما أدى إلى قيام بعض الناس بجوار الكاتدرائية بإلقاء الطوب وإطلاق النار مما أدى إلى مزيد من التصعيد وتبادل إطلاق النار، مؤكدا – مساعد رئيس كل المصريين- أن كاميرات المراقبة أثبتت وجود أشخاص يحملون أسلحة ومولوتوف على سطح الكاتدرائية وأيضا خارجها وداخلها مما دعا الشرطة إلى التدخل لتفريق المتجمهرين باستخدام قنابل الغاز. وكالعادة كما فى كل الأحداث السابقة ليس هناك من يوجه إليه اللوم والمسؤولية من «الأطهار» أعضاء الجماعة والمتحالفين معها، المجرمون هم كل من لا ينتمى إلى الجماعة وتوابعها، ولا يهم هنا إن كانوا مسلمين أو أقباطا.

أظن أن ما يحدث هو تأكيد على أن الدولة المصرية قد تحركت كثيرا إلى الخلف فى مفهوم المواطنة كما حدث ويحدث فى الكثير من المجالات الأخرى، ومفهوم المواطنة لن يتحقق بالكلام المعسول الفارغ الذى ينطق به مسؤولو الجماعة وأتباعهم من مساواة بين المواطنين أمام القانون وغيره مما يشبه هذا الكلام، ولكنه يتحقق فقط عندما يكون الوطن لكل أصحابه، وعندما تكون الدولة هى دولة كل المواطنين وليست دولة لجماعة تحمل فى يدها صكوك المواطنة تمنحها لمن ترضى عنهم وتمنعها بالممارسة عمن يختلف معها فى الدين أو السياسة. دولة مواطنين لا دولة جماعة حتى لو اعتبروا أنفسهم هم فقط المؤمنين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s