حماية الأزهر واجب وطني

52بقلم عبد اللطيف المناوي
لن أمل من التحذير بأن القادم من الأهداف من اجل إكمال مخطط الاستيلاء التام على الدولة المصرية هو التمكن من السيطرة على الأزهر، وهنا عندما أتحدث عن الأزهر فإنني أتحدث عن احد العناصر المهمة والأساسية الضامنة أوسطية ومدنية الدولة، نعم مدنية الدولة، فاللهم الصحيح لمفهوم مدنية الدولة المصرية لا يستبعد المؤسسة الدينية الأهم التي تشكل جزءا مهما من كيان الدولة عبر التاريخ، الأمر ذاته ينطبق على وضع الكنيسة المصرية ومكانتها، لكن هذا يكون دائماً بشرط مهم وحاسم هو ان يظل الأزهر كيانا مستقلا عن الميول السياسية ومحاولات السيطرة والتحكم، وهذا للأسف ما يحدث منذ شهور عندما قرر الحكام الجدد ان يسيطروا على الأزهر بأي شكل من الأشكال والعقبة الرئيسية التي تواجههم هم أولئك العلماء المخلصين لمؤسستها والمدربين لقيمتها ودورها ومكانتها ويفهمونها ان تقزيم الأزهر يكون بالسماح لجماعة ان تسيطر عليه كجزء من مخطط لا يهم إلا الجماعة ذاتها، وتتحول المؤسسة الشامخة منارة الإسلام في العالم واحد اهم مكونات الدولة المصرية إلى أداة سيطرة وتمكين من مفاصل الدولة. ويأتي على رأس هؤلاء العلماء فضيلة الإمام الكبر دكتور أحمد الطيب.
لم يلق خبر تولي شخصية عامة منصبا من الترحيب كما لقي نبأ تعيين دكتور أحمد الطيب شيخا للأزهر وقت إعلانه، رغم بعض الأصوات الصادرة وقتها من بعض الاتجاهات السياسية والتي انتقدت قرار توليه الإمامة الكبرى ، إلا أن هذه الأصوات اختفت وسط تيار الترحيب برجل يحمل من الصفات ما سمع الناس عنها ولمسها من اقترب منه ، والأمل في أن يعيد للازهر المكانة التي هي له بحكم التاريخ والمكانة والأثر في العالم .
شخصيا كنت من أشد المتحمسين للشيخ الطيب منذ أن كان مفتيا للديار المصرية ، كنت قد التقيته ذلك الوقت بمكتبه بدار الإفتاء ، واكتشفت ملامح شخصية المصري الحقيقي في د. الطيب ، ليس فقط ملامح  ” الطيبة ” على وجهه والتي هي تأكيد على أن لكل من اسمه نصيب ، ولكن أيضا لما امتلك من أركان تكوين لشخصية ضاربة في جذور مصر بثقافتها ، وتاريخها ، وتسامحها وتعددها ، لذلك ما كنت أتمناه عندما بدأ الحديث عن شيخ جديد للازهر ، أن تلقى المهمة على عاتق د. الطيب .
الدكتور أحمد الطيب شخصية متعددة الجوانب ، ويجمع بين صفات تبدو للوهلة الأولى متناقضة لكنها بشيء من الـتأمل تبدو متكاملة ، فهو يحمل صرامة الرجل الصعيدي القادم من الأقصر ، ويحمل استنارة وليونة الرجل المتحضر ، ولديه زهد المتصوفين الذين ينتمي إليهم .
بسيط من أسرة بسيطة ، لكنها متميزة من الناحية العلمية والاجتماعية لا من الناحية المادية ، فأجداده جميعهم تقريبا من العلماء، ويقول أنه اكتسب صفاته من جده الأكبر العالم الجليل الذي توفي عام 1956 عن عمر يناهز مئة عام ، وبلدته التي ينتمي إليها وهي القرنة بمحافظة الأقصر بجنوب مصر ، لا هي قرية ولا هي مدينة ، ولا هي خليط بين الاثنين لكنها تجمع كل تاريخ وحضارات مصر المتعاقبة منذ الفراعنة
إذن د. الطيب هو ابن الحضارة المصرية الضاربة في جذور التاريخ ، وهو ابن الثقافة المصرية الوسطية ، ووثيق الصلة بالصوفية التي بدأت من مصر ، وجذوره الفكرية هي الأصول الفكرية الصحيحة  للإسلام
المحاولات المستمرة للسيطرة على الأزهر تستهدف كخطوة أساسية الإطاحة بشيخه الذي هو حائط الصد الرئيسي ضد تقزيم الأزهر بإدخاله وإخضاعه لمخطط “الأخونة” لذلك لا تفوت فرصة ولا بأس من خلق الفرص أحيانا لمحاولة اقتلاعه من مكانه كخطوة أساسية في طريق السيطرة، وفي هذا الإطار أتت حادثة تسمم طلاب المدينة الجامعية لجامعة الأزهر كفرصة ساقتها الظروف -أو صنعتها- قام من قام باستغلالها من اجل المطالبة بإستقالة شيخ الأزهر، وهم هنا يتحدثون عن المسؤولية السياسية، وهي ذات المسؤولية التي نتساءل عنها في أحداث استشهاد جنودنا في سيناء التي لا نعلم عنها شيئا حتى الآن وهم يعلمون، أو أحداث الاتحادية التي راح ضحيتها من راح أو ضحايا بورسعيد وغيرها من الأحداث والضحايا التي لو صح الحديث عن المسؤولية السياسية لتحملها كل أركان النظام القائم وعلى رأسه رئيسهم.
الحوار الذي أظن ان هذا وقته هو الحوار حول تأكيد مكانة الأزهر وشيخه في المؤسسة المصرية ، أعيد مرة اخرى ” المؤسسة المصرية ” بمفهوم التكوين المصري كله وليس السياسي أو الحزبي الضيق، وتأكيد هذه المكانة يبدأ بالدفاع عن المؤسسة والقلعة المهمة في حياة المسلمين ومكونات الدولة المصرية، وأولى الخطوات هو عدم السماح بدفع المؤسسة الى منطقة الغنائم التي يرغبون في الاستيلاء عليها، ثم الدفاع عن استمرار شيخ الازهر كاحد العناصر الاساسية في الدفاع عن الازهر ككيان مستقل من اجل كل المصريين.
أظن  ـ ويظن معي كثيرون ـ أن أولى خطوات تأكيد استعادة مكانة شيخ الأزهر هو التأكيد على أسلوب التعامل معه في مؤسسات الدولة بإكمال محددات هذه المكانة في قواعد التعامل وبروتوكولات الدولة ، فشيخ الأزهر يستقبل في المشيخة المسئولين ، ويتعامل باعتباره ممثلا للأزهر بما يعني هذا الاسم من مكانة ودلالة .
المسألة أكبر بكثير من مجرد الدفاع عن شخص بل هي دفاع عن قيمة، وحماية لمستقبل هذا الوطن الذي يغيرون ملامحه يوما بعد يوم، ولم تتبقى إلا بعض الأصوات القليلة والمؤسسات القليلة تحاول حماية ملامح الدولة المصرية التي عرفناها وحلمنا بتحسينها وتطويرها كوطن لكل المصريين، ويظل من بين أهم هذه المؤسسات القابضة على الجمر مؤسسة الأزهر، لذلك اخترت عنوان المقال ليعبر عن هذا المعنى “حماية الأزهر” واجب وطني.

Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s