الانتقام سيدهم

عبد اللطيف المناوي

الانتقام أسوأ الدوافع السلبية للبشر منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، هو شعور قبيح يترجم فى سلوكيات تتفوق فى بغضها ودلالتها على الشعور ذاته، الرغبة فى الانتقام هى شعور قادر على التهام كل الطيبات فى الروح، وتركها فى حالة من السواد والقبح والخواء، إذا ما تملكت مشاعر الانتقام من شخص فقلّما يتَعَافى منها، يظل عبدًا لها مدمنًا عليها، لا تهنأ روحه أبدًا بالسلام.

هذا عن مشاعر الانتقام إذا تملكت شخصاً، فماذا لIMG_0132و تملكت جماعة بكاملها؟ وماذا لو كانت هذه الجماعة أو المجموعة وضعتها الأقدار فى موقع التحكم فى حياة شعب ووطن؟ ماذا لو أن هؤلاء لا يعلمون أن معركتهم هذه ورغبتهم تلك ليست سوى معركة خاسرة بكل المقاييس، قد تنجح جزئياً فى إشباع الروح بلذّة التشفّى، وإروائها بماء الغضب، ولكنها تترك وراءها خراباً ونفوساً خاوية.

هم يتملكهم الآن الإحساس بنشوة الانتصار، والرغبة فى السيطرة، وجعل الجميع يدفعون ثمن إحساسهم الخاص بالظلم، إن كان صدقًا أو افتراء، ولكنهم قرروا أن يعاقبوا الجميع كما فلتت من أحدهم أثناء أحد البرامج التليفزيونية عندما قال مستنكراً «لقد كنا فى السجون والشعب يتفرج علينا»، وهكذا بدأوا منذ سيطروا فى اتخاذ كل الإجراءات الانتقامية من كل من كان على خلاف معهم فى يوم من الأيام، بل كل من تسول له نفسه أن يختلف معهم الآن، ولم يعد غريباً ولا مفاجئاً أن نسمع عن أسماء منهم وصفت بأنها قيادات تجلس فى مكاتب قيادات الأجهزة الرقابية وأجهزة التحقيقات كى تغوص داخل ملفاتها، للبحث عن مخالفات أو شبهة مخالفات للقائمة، التى يرغبون فى الانتقام منها، وهنا نتذكر أن مشاعر الانتقام فى حد ذاتها مشاعر سلبية فما بالك عندما يكون الدافع لهذه المشاعر روحاً انتقامية شريرة، وهى ملامح لم نعد نحتاج مجهوداً كبيراً كى نلحظها هذه الأيام.

أعلم أن مصر قد مرت بحالة سادت فيها الرغبة فى الانتقام أطيافا كثيرة بين أهلها، ولم يدرك من يعتبرون قادة الرأى فى المجتمع خطورة هذه المشاعر وقتها، بل انساقوا وراءها هم أيضاً، وتحطمت فيهم الرغبة السلبية فى الانتقام والتشفى فسادت حالة سلبية ما زلنا نعانى منها حتى اليوم، ولكن فى الفترة الأخيرة بدأ إدراك نسبى لهذه المخاطر لدى البعض، وقادوا محاولات لتصحيح الوضع، صحيح أنها لم تؤد إلى نتائج ملموسة حتى الآن، ولكن على الأقل هناك بداية.

هذا على المستوى الشعبى العام، وهو إن كان منتقداً إلا أنه قد يكون مفهوماً فى ظل قراءة معينة، لكن هذه الرغبة السوداء فى الانتقام لا يمكن فهمها وقبولها ممن يحكم، أياً ما كانت ملاحظتنا على الأسلوب الذى وصل به أو مدى مشروعيته، لكنهم فى النهاية يجلسون على مقاعد الحكام، لذلك فليس مقبولاً منهم أن يتملكهم هذا السواد والشر، خاصة أنهم يدعون أنهم يحكمون باسم الدين، ويعتبرون أنفسهم فقط المسلمين على حق.

فى الماضى كان المبدأ القانونى البسيط المتمثل فى العين بالعين والسن بالسن والبادى أظلم.. نصوص قانون حمورابى، التى تم اعتمادها منذ أكثر من ألف وسبعمائة وثمانين سنة قبل الميلاد، كان ذلك فى زمن كان به الإنسان يخطو خطاه الأولى لبناء وعى اجتماعى وحضارى، حيث كانت الأخلاق هى ما يحدده الملك والزعيم حتى لو كانت قمة فى أذى الآخر عندما كان الاختلاف بالرأى كافيا ليحكم على أحد أطرافه بالموت.

هذه القوانين الأولى تاريخياً كانت خطوة مهمة فى نشوء الفكر المؤسسى القانونى فى الحضارات القديمة، ولكن المفاهيم الأخلاقية والقانونية نمت مع وعى الإنسان وخبراته، وبالتالى فإن مفهوم العدالة بات هو البديل لمفهوم الانتقام الفطرى، وهنا تكمن مشكلة أخرى فى حالتنا عندما يكون المتحكم فى تطبيق العدالة تسوقه الرغبة فى الانتقام، ساعتها يستخدم كل ما لديه من أدوات تبدو فى ظاهرها أدوات العدالة ليمارس بها رغبته فى الانتقام، وهنا لا نملك إلا التساؤل الاستنكارى: هل هم حقاً يريدون العدالة ومصلحة الشعب كما يدعون، أم أنهم فقط ينتقمون من الشعب كله تقودهم الرغبة فى التدمير النابعة من كراهية المختلف معهم، والسيطرة المطلقة لهم وحدهم لا شريك لهم؟

تنهار الدولة واقتصادها، ويقف الحكام الجدد لا مبالين، وكأن الأمر لا يعنيهم، بل يرون الفشل والانهيار هو انعكاس لفشل وانهيار الآخرين، الذين «يستاهلوا» كسر ركبهم، وبدلا من الانشغال بالبحث عن حل للمشكلات القائمة، ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه نجد اهتماماً بالانتقام من كل الذين اعتبروهم أعداءهم، تنهار مؤسسات الدولة وهم يصدرون أوامر الضبط والإحضار، والمنع من السفر حتى بات كل مصرى متهما أو مشروع متهم حتى يثبت ولاؤه، ينهار احتياطى النقد الأجنبى، ويتفرغون لمطاردة أحمد شفيق، تزداد نسبة البطالة، وترتفع معدلات الجريمة، وتتضخم نسبة التضخم كل هذا، ويفاجئوننا بقرار منع بنات اللواء عمر سليمان، رحمه الله، من السفر، تجاهلوا كل مشكلات البلد التى خلقوها وعمقوها، وتفرغوا للانتقام ممن عاداهم أو عارضهم مهما كان الثمن. يعميهم الانتقام عن التفاعل الحقيقى مع المشكلات الحقيقية، ولا يرون أن الإذعان للكراهية هو انحطاط بالقيم وتدنٍ بالأخلاق وتدمير للمجتمع.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s