سؤال لم يجد الإجابة

عبد اللطيف المناويIssue 10part12

وأنا في طريقي من لندن الى القاهرة في مساء الثاني من أبريل عام ٢٠١١، خططت بعد السطور على أوراق كانت في يدي، كان العنوان الذي اخترته لما كتبت عبارة عن سؤال “ماذا بعد؟”.

“أكتب الآن وأنا في الطائرة، أقلعت منذ حوالي الساعتين، تركت أرض الوطن الى سماء مجهولة، مع تساؤلات عن مستقبل غير معلوم. غير معلوم لا بالنسبة للوطن الذي عشقته منذ عرفت معنى كلمة وطن.
كانت مسؤولية حملتها ولم يساورني في لحظة أي إحساس بالتعب أو الرغبة في التحلل مما حملته على كاهلي، أكثر من سبعين يوما حملت فيها المسؤولية، ورغم كل شيء لو عاد الزمن وملكت الاختيار فإنني سوف أختار مرة أخرى ما اخترت سابقا، لأن الدافع كان دائما حب هذا الوطن مهما كانت قسوة الثمن”.
كنت أظن أن الاجابة عن السؤال “ماذا بعد” وقتها، يمكن أن تكون صعبة ولكني لم أتوقع ان تكون بهذا القدر من التعقيد والغموض، التعقيد في الحالة المصرية التي وصلت إلى مرحلة يصعب معها تخيل تصور حل واضح الملامح معها، والغموض حول مستقبل هذا الوطن الذي عصفت به الأهواء والاتجاهات، وحالة الضعف الشديدة في البنية السياسية والاجتماعية لمصر، وذلك الاكتشاف المذهل لجوانب جديدة كانت خافية في الشخصية المصرية يبدو أنها نتاج لحالة التجريف التي تعرضت لها القيم والمفاهيم طوال ستة عقود منذ بدأت المرحلة الجديدة من تاريخ مصر مع ثورة يوليو ١٩٥٢، فكان مفاجئا ذلك العنف الذي ظهر بين قطاعات ملموسة من المصريين، وتلك الرغبة في الانتقام والتشفي وغياب القدرة على التعامل بنبل.
هذا الذي ظهر بشكل واضح بين قطاعات ملموسة من المصريين يتناقض كليا مع كل ما عرفناه وتوقعناه وآمنا بوجوده كأحد المكونات الرئيسية لهذا الشعب العريق، وهذا موضوع آخر أظن أنه ينبغي أن يكون محل دراسة حقيقية جادة ممن مازال يؤمن بهذا الوطن.
وأعود الى السؤال: وماذا بعد؟ ورغما عني تقفز إلى ذهني صورة مصر منذ خمسة وأربعين قرنا كما وصفها ايبور في برديته بعد أول انتفاضة في تاريخ الانسانية قام بها المصريون، وذلك عندما عاشت مصر بعدها فترة تراوحت ما بين المائتين والثلاثمائة عاما اصطلح علماء المصريات على تسميتها بعصر الانحطاط وهي الفترة ما بين نهاية الدولة القديمة وحلول الدولة الوسطى.
وتسهب البرديات القديمة في وصف الشقاء الذي حاق بالمصريين جراء انفكاك الأمر في دولتهم المركزية، ففضلا عن البدو الذين حكموا الدلتا وصاروا سادة فيها واستعبدوا المصريين، احتل البدو الليبيون مصر الوسطى وأسسوا مملكة فيها ما بين أقاليم الشمال الخاضعة لبدو الشرق وأقاليم الجنوب التابعة لحكام طيبة المصريون. وانهارت منظومة القيم والأديان وعمت فوضى أخلاقية هي دائما مصاحبة للتردي الاقتصادي، و تسمى كل من استطاع باسم فرعون. وقد حكم البلاد محتلون أجانب بدو قادمين من الشرق، وذكر المؤرخ مانيتون و هو يكتب مؤرخا لهذا العصر أن الأسرة السابعة تكونت من سبعين ملكا حكموا سبعين يوما.
هذه صورة مصر بعد انتفاضتها الاولى، وأخشى ما أخشاه أن تمر مصر بعد انتفاضتها الثانية الى مرحلة مشابهة بمعايير الحاضر، ذلك بسبب تلك الحالة من الفوضى التي دخلتها البلاد بعد انهيار نظام مبارك وزادت بعد وصول الإخوان ومحاولة سيطرتهم على الحكم، ولم يدرك – او يدرك بعضهم- أن هناك فارق بين انهيار نظام وهدم اسس الدولة، وهذا هو ما تشهده مصر، إضافة إلى أن ما حدث في مصر كان تغييرا للهارد وير وظل السوفت وير كما هو، وذلك بلغة الكومبيوتر.
ماذا بعد؟ يظل السؤال يقفز بحثا عن اجابة، وتظل الاجابات عصية، عصية في الوصول اليها، وعصية على التنفيذ اذا ما وصلنا الى بعضها، لكن ما أعتقده حلا او بداية لطريق الحل هو أن نعيد قراءة التاريخ، وننظر إلى ما مر بمصر من قبل، ونقرر ألا نمر بعصر انحطاط آخر، وهذا يكون عندما يكون مفهوم التوحد هو القناعة في مواجهة التشتيت الذي يفرض بين أبناء مصر المسلمين والمسيحيين والنوبيين والصعايدة والفلاحين والبدو والاسلاميين والسلفيين والعلمانيين، عناصر التفرق حاضرة، ولن يوقفها إلا قرار التوحد بإيمان وصدق.
ماذا بعد؟ الشعب المصري وحده يملك الإجابة.

Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s