من أجل مصلحة الجماعة وحفنة دولارات

293641271eyy4ae02 بقلم   عبداللطيف المناوى

غضب منى من غضب عندما أكدت ما أؤمن به من مبدأ أنه يجوع القضاة ولا يأكلون ببيع مبادئهم، واليوم لا أعلم من سيغضب عندما أقول تجوع الأمم ولا تأكل من بيع قيمتها ومبادئها. واليوم نحن فى مصر نقع تحت حكم من يضيع لمصر قيمتها بين الشعوب التى ظلت تنظر لمصر دوماً باعتبارها الملجأ عندما تسود الدنيا فى وجوههم، وتغلق أمامهم أبواب الأمل، فيجدون مصر تفتح لهم ذراعيها ليجد المضطر لنفسه مكاناً آمناً بين أبناء مصر. أذكر دائماً عندما كنت أمازح زميلى السابق فى عملى فى لندن، وكان يحمل الجنسية البريطانية، لكنه من أصل عربى قائلاً له: «مهما فعلت فإن مصيرك لاجئ سياسى عندنا فى مصر». لا أظن أننى أستطيع أن أستمر الآن فى هذه المزحة بعد أن بدأ من يدير البلاد التفريط فى قيم مصر وقيمتها.

ظلت مصر، تاريخياً، ملجأ من لا ملجأ له، وكان أول اللاجئين إليها السيد المسيح، يمكن أن تعد أولى رحلات اللجوء السياسى تاريخياً هى نزوح السيد المسيح والسيدة مريم العذراء إلى مصر هروباً من الرومان، وكما نرى كانت مصر هى الملجأ.

بدأ الحكام الجدد فى مصر وليبيا تنفيذ اتفاقهم على تسليم ليبيين إلى طرابلس فى صفقة تسىء لمصر وتاريخها فى مجال حماية حق اللجوء وحماية اللاجئين إليها، وكان ما كان منذ يومين، عندما اقتحمت قوات الأمن منزل أحمد قذاف الدم وألقت القبض عليه فى أسلوب صادم ومفاجئ ويتناقض مع المنطق والقيم.

وكانت أنباء قد تسربت، منذ أسابيع، عن أن حكام مصر الجدد قد اتفقوا مع حكام ليبيا الجدد على تسليم عدد من الليبيين المقيمين فى مصر- نحو ١٨٠٠ ليبى ممن عملوا مع الرئيس الراحل معمر القذافى- وعلى رأسهم أحمد قذاف الدم، الذى كان منسقاً للعلاقات المصرية- الليبية، ولعب دوراً مهماً فى تقوية العلاقة بين البلدين على المستويين الرسمى والشعبى فى الفترة السابقة وأحد الذين شاركوا فى حرب أكتوبر١٩٧٣ ضمن القوات الليبية. والمقيم فى مصر بعد انطلاق الأحداث هناك بناء على دعوة من وزير الخارجية وقتها أحمد أبوالغيط.

هذه الصفقة المشبوهة نظير ثلاثة مليارات دولار وفرص عمل فى ليبيا، وكشف أحد المراكز البحثية فى واشنطن عن وجود صفقة بين جماعة الإخوان المسلمين فى مصر وبين السلطات الليبية، تسلم مصر بموجبها رجال القذافى مقابل الحصول على استثمارات نفطية بالمحافظات الشرقية فى ليبيا. وكنت قد علمت منذ حوالى أربعة أشهر عن مفاوضات تمت بهذا المعنى، وبدأ «المزاد» وقتها بخمسمائة مليون دولار. لم أتوقع وقتها أن تصل درجة الجهل بقيمة مصر والاستهانة بها ممن تصادف أن جلس فى مواقع قيادتها إلى هذا المستوى.

لا أعلم كم سيقف اليوم ليقول قولة حق فى حق أحمد قذاف الدم، الذى يحمل الجنسية الليبية، لكنه مصرى الانتماء والمواقف، ليس لأن أمه مصرية، لكن كان ذلك اختياراً حراً وصادقاً له، ولم يكن ذلك أثناء وقت مبارك فقط، لكنه منذ حكم السادات، فقد كان وقتها، وحتى النهاية، عنصر تأمين العلاقة مع مصر، وعامل التهدئة فى أوقات توترها- وهى أوقات كثيرة- وكان حرصه على مصالح المصريين البسطاء فى ليبيا يتجاوز، أحيانا كثيرة، حرص بعض المسؤولين المصريين. ولن أتحدث هنا عن مواقف بعينها إنسانية أو سياسية، ولن أطيل فى معاناته الداخلية مع نظامه وقتها عندما كان يعاقبه ويعاديه البعض بسبب مواقفه المصرية. لذلك كان مخزياً ومحزناً ما حدث معه، خاصة إذا ما أضفت أن تطمينات قوية كان قد تلقاها حتى أيام قليلة من الحكام المصريين الجدد بأنهم لن يفعلوا معه ما فعلوا بعد ذلك. وقد يكون خطأه هو خطأ كل من وثق فى وعودهم.

ما أستطيع توقعه أن كل الأجهزة المصرية المسؤولة ترفض التسليم، وأن رأيها الرسمى دوافعه وطنية بشكل مجرد، والرأى هو أن تسليمهم إساءة لمصر وفعل غير مسبوق فى تاريخها القديم والحديث، وأنهم يضمنون ألا يمارسوا أى نشاط سياسى، وإذا تمت محاكمة عادلة لهم فى ليبيا ساعتها يمكن عرض الأمر على الجهات القضائية المصرية، ويتم التصرف وفقاً للقواعد القانونية والدستورية التى تقرها السلطة القضائية المصرية. لكن ما رأيناه مرة أخرى هو الضرب عرض الحائط بآراء من ينظرون للمصلحة القومية المصرية.

لن أتحدث هنا عن الاتفاقيات الدولية التى تحظر تسليم اللاجئين، لكن يكفى أن أشير إلى الجانب اللاأخلاقى والإساءة إلى قيمة مصر وقدرها الذى كسبته فى تاريخ الإنسانية، والذى يتعرض للضياع على أيدى من لا يدرك ويفهم هذه القيمة من أجل هدف جماعة وحفنة دولارات.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s