الصوت الذي لا يضيع

articleعبد اللطيف المناوي

الحرية المطلقة والارتباط الأبدي هو مزيج صعب الاعتقاد في وجوده، بل ان التناقض بينهما هو الأقرب للمنطق، ولكن لأنها لم تكن تتعامل بحسابات أو منطق مسبق لا أعلم كيف خلقت هذه الرابطة العميقة بين ما يبدو متناقضين، هذا ما فعلته معي أمي التي عندما غابت عن حياتي بجسدها وصفت العلاقة بيني وبينها بالحبل السري الذي يقول العلم أنه ينقطع بعدما يخرج الوليد إلى النور، لكنني اكتشفت أنه ينقطع ماديا لكنه يظل موصولا إلى الأبد، أو هكذا شعرت وما زلت أشعر. تعلمت منذ الصغر حرية الاختيار، شارك في هذا التعليم كلاهما، أمي ووالدي. كنت أختار وأنا أعلم أن هناك مؤيد للاختيار دون شروط، شعرت دوما بالحرية المطلقة، ولكني كنت دوما مرتبطا ملتزما بها، وبهما، ارتباط لا تؤثر فيه المسافات أو طبيعة الاختيارات. دائماً ما أتذكر عندما حطمت حلميهما في أن يكون لديهم إبن طبيب، وكان اصراري على أن أختار الصحافة والاهتمام بالسياسة والشأن العام طريقا ومهنة واختيار. صدمهم اختياري في البداية ولكنهما تفهما اختياري وتعايشا معه ورضيا به.

أتذكر الآن حالة القلق الشديدة التي كانت تنتاب أمي عندما تسمع أو تقرأ عن أحداث أو مظاهرات في الجامعة، وهي التي تعلم انشغالي بالسياسة واندفاعي فيها، فاستيقظ اليوم التالي لأجد أبي قادما من دمياط، حيث نشأت، إلى المدينة الجامعية بالقاهرة منتظرا حتى استيقظ من النوم ليطمئن أنني بخير. “أمك يا سيدي لم تنام، الحل الوحيد هو أن آتي لأطمئن عليك وأطمئنها” هكذا كان يقول، لم يطلب مني أحدهما أن أتخلى عن اهتمامي بالسياسة أو الشأن العام رغم الإزعاج والقلق الذي عاشوا فيه دائماً.  كانت دائماً تدعو لي الله بأن “يبعد عنك أولاد الحرام” و”أن يحبب فيك خلقه” و”ما يوليش عليك ظالم”

تدور الأيام وأواجه فيها ما أواجه وأنا اسمع صوتها بدعائها الذي لم ينقطع أو يغيب عن أذني. أمر بمواجهات وصعاب وأزمات وأجد أن عنصر قوتي الكبير هو ذلك الصوت القوي الآتي من مكان لا أعلمه، صوتها وهي تكرر الدعاء بلا توقف وبنبرة لا أملك معها إلا الشعور بالحماية والاطمئنان.

آمنت باختيارتي حتى لو لم تدركها، شجعت الفريق الذي اخترته لأشجعه حتى لو كنت الوحيد بين إخوتي الذي يشجع هذا الفريق، تابعت الأخبار والسياسة لأنني احبها، كانت تنتظر عندما أعود لزيارتها وقد أعدت في ذهنها عددا من الموضوعات لتناقشني فيها، أدركت في معظم الأحيان أنها كانت فقط ترغب في تجذب اهتمامي لتسمعني أتناقش معها، لم يكن يهمها أي طرف على حق أو خطأ، لكنها فقط كانت تريدني سعيدا مرتاحا لما أختار “المهم سعادتك وراحة بالك” كانت من أكثر الجمل التي سمعتها منها في نهاية كل نقاش.

رغم هذه الحالة الفريدة من الإحساس بالحرية والانطلاق التي باتت جزءا أصيلا من تكويني لا يمكنني التنازل عنه، إلا أن الغريب أن هذه الحرية كانت ممزوجة بقدر غريب من الارتباط، كان شعورا جارفا لا ألاحظه كثيرا ولكني كنت أعيشه، بأن الأمور لا تكتمل دون أن تكون شريكة فيها ولو بالمعرفة، كنت أضبط نفسي متلبسا بهذا الشعور بالالتزام دون أن أدري. لم يمر يوم في حياتي دون أن أتصل بها، ولكني الآن حزين عندما أكتشف أنني أضعت فرصا كثيرة لأقضي معها ومعه وقتا أطول لكن شغلتني رغبتي في الاستمتاع بالخروج أو البقاء مع الأصدقاء وقتها. لم أفهم دائماً رغبة والدي -كان عيد ميلاده يوافق يوم عيد الأم- في أن يكون معي حتى اللحظة الأخيرة التي أغادر، لا يريد أن يضيع أي لحظة والسيارة أو الأتوبيس الذي اركبه يتحرك وهو يشير بيديه مودعا، لم أفهم قيمة هذه اللحظات إلا عندما بدأت أنا أودع أولادي.

لا أدري ان كان ما سأقول قسوة أم حب مبالغ فيه، لكن مع حزني الذي لا ينتهي لغيابهما إلا أن جانب مني يشكر الله على رحمته أن جنبهما أن يعيشا الأوقات الصعبة الأخيرة التي عشتها، فلم أكن أتحمل أن يواجها هذه الأوقات ولم يكونا ليتحملاها.

مهما دعوت لهما بالرحمة لن أكفيهما حقهما.

Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s