البركان القادم لن يستأذن

بقلم   عبداللطيف المناوى

حالة من الإحباط العام تسود كل المصريين المدركين خطورة ما تمر به مصر، والإحساس بقلة الحيلة تجاه السياسة التى قررت الجماعة الحاكمة اتباعها، وهى سياسة التجاهل التام، اعتماداً على قوة الزمن السحرية فى جعل الناس تنسى واقعها أو تتكيف معه، والحقيقة أن هذا يحدث كثيراً، وما نعيشه الآن يؤكد ذلك، فقد نجحت الجماعة فى تمرير ما تريد من لجنة دستوريةعبد اللطيف المناوي وقانون انتخابات اعترض عليه معظم القوى السياسية ولم يعدله سوى حكم المحكمة الإدارية، الذى طعن عليه النظام بعد تأكيد احترامه حكم المحكمة، ولكنها عادة أصيلة فى نقض العهود والتراجع فى الالتزامات، والمسألة كلها تحل بصيام ثلاثة أيام، كما نسب من قبل لمن أقسم أمام المحكمة الدستورية، عندما تراجع عما أقسم عليه!!

 وقبل كل ذلك نجحت الجماعة فى خطف الوطن بقواه السياسية والاجتماعية منذ امتطت الساحة لتقود الأمور لمصلحتها منذ عصر الخامس والعشرين من يناير منذ عامين، وقتها قامت بعملية الخطف متزامنة مع عملية خداع للقوى السياسية والشبابية، التى كانت فاعلة وقتها، كل هذا تحت غطاء ودعم غربى لوضع نظام حكم المرحلة.

نجحت الجماعة فى خلق سحابة عامة من الاكتئاب الحاد واليأس القاتل بين كل المصريين المدركين لما يحدث، هناك من وضع لهم شعاراً يقول ما معناه إنهم أتوا بالخير لمصر، هل حقاً أتوا بالخير؟ أترك الإجابة لكل منكم ليجيب بنفسه من خلال ما يرى ويواجه. نجح الحكام الجدد لمصر فى أن يوحدوا بين المصريين بذلك الإحساس باللاجدوى واليأس فى ظل حكمهم، الذى تميز حتى الآن بلا مقدمات لتغيير بأكبر قدر من الفشل فى الإدارة شهدته مصر فى تاريخها المعلوم، ولا تقف المشكلة عند حدود الفشل، ولكن الأكثر إزعاجاً هو إنكارهم هذا الفشل والإصرار على البحث عن أسباب أخرى للفشل خارجهم، دائماً هناك الآخر الذى يخطط ويعمل من أجل إفشالهم وإفشال المشروع الإسلامى كما يدعون.

وكما قال رئيسهم مؤخراً أمام جزء من قواته التى يستخدمها ضد الناس دفاعاً عن جماعته إن العدو فى الخارج يتربص بالوطن وينتظر الفرصة لينقض علينا، والحقيقة أن أى عدو لن يتمكن من أن يضر بالوطن أكثر مما يضر هؤلاء الحكام من الجماعة ومن يمثلهم فى الرئاسة الآن.

المصريون باتوا يشكلون مستهلكة أساسياً لكل أنواع الأدوية التى تعالج الضغط والاكتئاب. أظن أن شركات الأدوية المنتجة لهذه الأدوية مدينة لحكام مصر اليوم بهذه القفزة الهائلة فى مبيعاتها. ويزيد من هذه الحالة ما يرونه من اللامبالاة التى يواجههم بها أولئك الحكام، بل إن تصريحاتهم لا تبشر بأى خير أو فهم لما يعانيه الشعب على أيديهم، وآخر هذه التصريحات ما نسب إلى مرسى عندما جعل شخصه مرادفاً للوطن كله، عندما قال إن الإساءة إلى الرئيس ليست إساءة إلى شخص ولكنها إساءة للوطن كله.

وهنا أعلى درجات الاستفزاز لمشاعر الناس، فلن يتم اختصار الوطن ليكون هو، وينبغى عليه أن يتوقف ويسأل نفسه: لماذا يواجه هذا السيل من الإساءة والسخرية؟ الأكيد أن السبب ليس أعداء الخارج ولا هم أعداء الداخل، لكن كما يقول أجدادنا إن الإنسان عدو نفسه، لذا ينبغى أن ينظر حوله وداخله قبل أن يلقى باللائمة على الآخرين، وفى كل الأحوال لا يملك الحق هو أو غيره فى أن يقزم حجم وقيمة الوطن لتكون مرادفاً لشخص، خاصة إذا كان هذا أسلوبه وأسلوب من أتوا به فى إدارة الدولة وإدارة الحوار مع الآخر.

نصيحة إلى من يراهنون على الزمن ألا يركبوا إلى ذلك كثيراً، حتى الاعتماد على الزمن يتطلب جهداً لإرضاء الناس ليقبلوا ما كتبه الله عليهم، ولكن إذا عجز من يدير البلاد عن أن يرضى الناس ولا يهتم إلا بأهله وعشيرته وحلفائه، فإن هذا الوضع لن ينجح فى أن يجعل الناس يرضون ويتعايشون مع هذا الواقع رغم عدم رضاهم عنه، وذلك بسبب غياب الحد الأدنى من الرضا عن أحوالهم، هذا الوضع هو أشبه بوضع بركان نشط، قد يبدو هادئاً أو حتى متحركاً نسبياً، يبدو السطح فى حالة من التأرجح بين الغليان والهدوء، قد يطلق بعض ألسنة اللهب هنا وهناك، لكنه لا ينفجر.

لكن الأكيد أنه سوف ينفجر يوماً ما، قد يكون هذا الانفجار فى خلال أسابيع أو أشهر أو حتى سنوات. لن يتنبأ أحد بموعد الانفجار، لكنه سوف يحدث، وعندها سوف يسقط رهان الزمن الذى تلعبه وتجيده الجماعة، ولن تنجح حالة اللامبالاة إلا فى تشجيع والإسراع بلحظة الانفجار. وساعتها سوف ندفع جميعاً الثمن.

البركان لا يستأذن قبل أن ينفجر، وليست له مقدمات، ولكنه حالة بركانية نحن نعيشها بامتياز، والفضل للحكام الجدد بسياساتهم الإقصائية الاستحواذية، والفشل الكبير غير المسبوق فى الإدارة المصحوبة بحالة الإنكار الدائمة والممزوجة بثقة كبيرة فى الذات بلا مبرر، ويساعدهم فى ذلك أدواتهم وصنائعهم فى مختلف مناحى الدولة، خاصة مؤسسة الحكم فى البلاد. مرة أخرى البركان لن يفرق عندما ينفجر.

Advertisements

2 comments on “البركان القادم لن يستأذن

  1. كما عهدناك أستاذي صاحب نظره اعلاميه وروايه للمستقبل كنا نتمنا ان ان يمهلنا القدر لنتعلم منك اكثر تحياتي لك استاذ.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s