عندما أحرق نيرون روما

عبد اللطيف المناويبقلم عبد اللطيف المناوي

ما يحدث الآن فى مصر ليس له مثيل فى حدود معرفتى، لم يمر بلد بتلك الحالة المتداخلة المعقدة التى نعيشها، ذلك العبث بمقومات الدولة، ذلك الاندفاع المجنون نحو تمزيق وحدة نسيجها. لا أظن أنه حدث أن ترك حكام بلد الأوضاع فى بلدهم لتصل إلى تلك الحالة وهم يقفون لا مبالين، همّهم الرئيسى أن يكونوا هم وحدهم الحكام لا شريك لهم. الأكيد أن كراسى الحكم وثيرة، وأن قصورهم أكثر اتساعاً من أماكنهم السابقة، وأن الطائرة لا تقارن بـ«التوك توك» الذى لا يخفون إعجابهم به، ولكن أى متعة هذه التى يدفعون ثمناً لها دولة تنهار دون أن يطرف لهم رمش؟!

هم يمتلكون فى خيالهم فقط صورة الدولة التى يريدون، ولا بأس أن يكون الثمن هو نهاية الدولة التى يجثمون على أنفاسها. هكذا فعل الإمبراطور نيرون، الذى أحرق روما سنة 64 م، حيث راوده خياله أن يعيد بناء روما، وبدأت النيران من القاعدة الخشبية للسيرك الكبير، حيث شبت فيها النيران وانتشرت بشدة لمدة أسبوع فى أنحاء روما.

قد يبدو ما أقول تزيداً فى التشاؤم، ولكننى أراه تخوفاً واقعياً من مقدمات تبدو أنها تؤدى إلى نتائج مأساوية، ولننظر إلى آخر هذه المقدمات التى لا تؤدى إلى طريق إلا أشبه باختيار نيرون إحراق روما.

أول هذه الدلائل أو المقدمات هو ذلك التجاهل الكامل لأى قوة أخرى فى المجتمع، سواء دينية أو سياسية أو عرقية، والتعامل بمنطق أنهم هم الأمة، وأن صوتهم هو صوت الشعب لا صوت سواه، وبدأوا يصدرون فكرة الصندوق الذى يروجون بأنهم باسمه يحكمون، وهم أول من يعلم كيف تمت وتتم السيطرة على نتائج هذا الصندوق، فهم أعلم بوسائلهم، هى شرعية منتزعة على جسد الحقيقة، تغذيها أكاذيب وإقصاء للآخرين، ويدعمها ويغذيها ذلك الضعف والوهن الذى أصاب معارضيهم من القوى الأخرى، لكنهم لا يلقون بالاً للقوة الساكنة التى يظنون خطأ أنها تحت سيطرتهم، وهم هنا واهمون.

أيضاً فإن الضرب بفكرة الدولة والدفع إلى الوصول إلى دولة الفوضى هو أحد الملامح لسلوك حكام اليوم، ويبدو ذلك فى تلك الرغبة الشيطانية فى الدفع لوقوع المواجهة الشاملة بين الشعب والشرطة، وهو بالمناسبة مخطط قديم أو جزء منه، بهدف هدم وتفتيت قواعد الدولة لإقامة دولتهم كما يرونها. إن هذه الجريمة فى حق الوطن والدولة لن تؤدى إلى سقوط أحد العناصر الرئيسية للمجتمع وتفتح الباب واسعاً لبدء عصر الميليشيات، التى بدأ الحديث عنها بالفعل، جدير بالذكر هنا أن البدايات الجادة لأى حرب أهلية هى تواجد الميليشيات. أيضاً تلك الفكرة «العبقرية» لإصدار قانون سريع لتنظيم عمل شركات الأمن لتسد ثغرة غياب الأمن، كما قال أحد قياداتهم، وهذا التنظيم القانونى لتواجد شركات أمن خاصة يمكن أن يكون قوامها أفراد ميليشياتهم هو أحد سبل الحريق.

أما نموذج الشيطانية فى الأفكار فهو تلك الفكرة «الشيطانية» التى صدرت عن أحد تابعيهم بإعطاء سلطة الضبط القضائى لأفراد الشعب، ولأن مثلى ومثلك لن يتمكن لأسباب جسمانية وأسباب أخرى مرتبطة بفهم خطورة هذا الإجراء، فإن من سوف يمارس هذا الحق المراد به باطلاً هم أولئك الذين شكلوا الميليشيات، ويأتى هذا الإعلان ليعطى لهم غطاء قانونياً شرعياً، تمهيداً ليحلوا محل الشرطة التى يدفع بها نحو حريق المواجهة مع الشعب، فأصبحوا لا يملكون إلا الإضراب أو الاحتراق فى محرقة المواجهة. صحيح أن آخر خرج ليصحح المقصود بحق الضبطية القضائية، ولن نلاحظ أنه لم ينف أو يسحب هذا الحق، ولكنه كان تصحيحاً أقرب إلى التأكيد.

ما فات هو بعض المقدمات وليس كلها، وأظن أن كلاً منا قادر على أن يرى تفاصيل أخرى تؤكد التوجه الذى يدفع بالوطن نحو ما لا تتمناه.

أما نهاية نيرون فكان جديراً بها بعد أن أفسد حياة أمه وأحرق دولة، فبعد المذابح والحرائق التى أشعل بها روما، انصرف إلى اليونان ليمارس هوايته فى الغناء والرقص والتمثيل، وفى هذه الأثناء قامت ثورة فى بلاد الغال، ومع تزايد وتيرة الثورة وانحسار وهزيمة «نيرون» وفشله فى إدارة الأزمة، انصرف عنه أصدقاؤه وحاشيته ولم يجد بداً من أن يهرب من قصره إلى كوخ بعيد لأحد خدامه الذين بقوا معه. وهناك كان يبكى كثيراً على ما وصل إليه، وتذكر أمه التى قتلها. وظل مختبئاً حتى شعر بأصوات سنابك الجنود تحوم حول المكان، فما كان منه إلا أن قرر أن يقتل نفسه، وبعد محاولات كثيرة فشلت بسبب خوفه من الموت، قتل نفسه ومات الطاغية الذى أرهق روما بمجونه وجنونه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s