عندما لجأ المصريون إلى الهاتف

بقلم عبد اللطيف المناويphoto

بعد مرور عامين على 25 يناير، عاد الحديث مرة أخرى يتجدد حول الاتصالات الهاتفية من مواطنين التي كان يتلقاها التليفزيون المصري مساء ما عرف بجمعة  الغضب.

ولأن البعض لا زال يشكك في حقيقة الاتصالات حتى الآن، أروي هنا الحقيقة كاملة كما حدثت.

مع انسحاب الشرطة، ونزول الجيش، بدأنا نتلقي اتصالات من مواطنين يتحدثون عن وجود بلطجية وعمليات تخريب وهو الأمر الموثق والفيديو عبر جميع القنوات، كنت أشفق في الحقيقة على المذيعين الذين كانوا على الهواء في ذلك الوقت الذين كانوا يقرءون الأخبار، ويتعاملون مع التليفونات التي بدأت تنهال دون توقف، هناك من تحدث من المتصلين من الخارج عن أهمية النزول بأي سلاح سواء كان مرخصا أو غير مرخص، والدعوة للدفاع عن المنازل، والدعوة للدفاع عن الشوارع. وأتى خبر آخر يتحدث عن اقتحام مستشفى سرطان الأطفال 57357، في منطقة زينهم، وأنه كان يتعرض لهجوم من مجموعة من المسلحين بأسلحة نارية وسنج ومطاوي من أجل اقتحامه، وسلبه ونهبه، وكذلك أتت أخبار من منطقة سموحة بالإسكندرية عن البلطجية الذين بدءوا يقتحمونها في تلك الفترة، ووجهنا تحذيرات من خلال متخصصين في الشئون الأمنية؛ لمطالبة المواطنين بالبقاء في منازلهم وعدم الخروج إلى الشوارع.

 كان أول من خرج لكي يدعونا أن نضع أرقام التليفونات الخاصة على الشاشة، هو الإعلامي طارق علام، خرج على الهواء الساعة السابعة مساء وبكى وهو يروي ما يحدث في الشارع وما يراه

تحدث عن أن البلطجية كانوا يرسلون موتوسيكلات للاستطلاع، وإذا ما وجدوا الشارع خاليا؛ فإنهم يعطون الإشارة بالتوجه إليه لاقتحام المنازل ونهب العمارات، وصرخ باكيا بأن مصر تنهار، وأن هناك 60 حالة اغتصاب، وقال احموا مصر، أغيثوا السيدات، أغيثوا النساء، أغيثونا، وطلب من الشباب أن يخرجوا؛ ليدافعوا عن  بيوتهم، وطلب بأن توضع أرقام التليفونات على شاشة التليفزيون، وحاول مذيع الهواء أن يقول له إن هذا دور الجيش في البداية، وإنه خرج للحماية، لكن كان هذا غير ممكن في ظل التطورات الجارية في ذلك التوقيت.

   اتصلتُ بالقوات المسلحة؛ كي أبلغهم بهذا التطور الذي كان حادثا، فتم الاتفاق على إذاعة خبر، مفاده أن الجيش سوف يدعم القوات الموجودة في الشوارع بقوات إضافية؛ وذلك لحماية الأفراد، وحذر المجرمين الذين يتجاوزون بالاعتداء على المواطنين، من سلوكهم، وأنه سوف يتم اتخاذ كافة الإجراءات. لكن هذا لم يوقف تلك الحالة من الانهيار؛ حتى إن البنوك كانت قد تعرضت أيضا للهجوم بالرشاشات، وأتى اتصال من مدير فرع أحد البنوك، بأن هناك من يحاول اقتحامه الآن بالرشاشات، وأن البنك لا يوجد فيه سوى اثنين من موظفي الأمن، ولن يتمكنوا من الوقوف أمام الهجوم الحادث على البنك. وقال جملة مهمة: إنه عندما طلب أحد الموظفين في البنك من الشرطة التدخل للحماية، قالت له: “إحنا كمان بنضرب “، وإن الجيش لم يتدخل لاتخاذ خطوات من أجل وقف ما يحدث.

بعد قليل جاء بيان مسجل تليفزيونيا من القوات المسلحة، وأمدونا برقم طوارئ للقوات المسلحة، وهو 196194، وهو تليفون لم يرد على الإطلاق، وفي ذات التوقيت، أي حوالي الساعة السابعة والنصف، كان هناك خبر عن اقتحام مستشفى قصر العيني، كما تم اقتحام مستشفى قريب منها هو مستشفى أبو الريش للأطفال، في منطقة المنيرة، وتمت عملية الاقتحام من قِبل البلطجية، بحسب اتصال من عميد مستشفى قصر العيني في ذلك الوقت، وأن الموظفين والمرضى، وأولياء أمور الأطفال المرضى، هم الذين يتصدون لهؤلاء البلطجية، وقد أكد عميد قصر العيني أنه لا يوجد تواجد أمني قريبا من المستشفى، وأنه يجب أن تتوجه قوة من الجيش ” حتى تلحقنا “، على حد تعبيره.

  الاتصالات التي تلقيناها لم تكن تخص أفرادا وأسرا فحسب، بل تخص نظاما بأكمله يتهاوى، فمنذ السابعة مساء وحتى الخامسة فجرا، ظللنا على اتصال مع بعض سكان وادي النطرون الذين استوقفوا قطارا به مجموعة من المساجين الهاربين من سجن وادي النطرون الذي تم تحطيمه وهربوا منه، وكنا على اتصال معهم، واتصال في الوقت نفسه مع القوات المسلحة التي تمكنت في وقت متأخر من إرسال إمدادات للقبض على المساجين الهاربين، وتسلمهم من الأهالي، وكذلك مخزن الأمن  المركزي في منطقة الدراسة الذي كان يتعرض للسرقة، وكان يحوي عددا كبيرا من الأسلحة ولم يكن به سوى ضابط وأربعة جنود، وظللنا على اتصال بهم، حتى وصلتهم إمدادات القوات المسلحة.

  باختصار؛ فإن هناك حالة من حالات الرعب كانت تعيشها مصر في هذه المرحلة، وعلى الرغم من أن تعزيزات الجيش كانت قد وصلت إلى مستشفى قصر العيني بعد أربعين دقيقة، فإن هذا الخبر كان يعطي الأمل للمواطنين، كما ذكر مدير المستشفى بعد ذلك على الهواء، وأتانا خبر بالقبض على عدد من العناصر بينهم عناصر من جماعة الإخوان المسلمين أثناء قيامهم بسلب وترويع المواطنين، وكان مصدر هذا الخبر من جهاز الشئون المعنوية، وكذلك من جهاز المخابرات.

   بينما ازدادت حالة الفزع والهلع التي يعيشها المواطنون، أتت شكوى بأن التليفون الذي تم اعتماده لتقديم الشكوى لا يرد،؛ هنا قررت أن أضع التليفونات الخاصة بمركز أخبار مصر على الشاشة، وقد كان ذلك قرارا فرديا؛ حتى نتلقى الاتصالات على الهواء مباشرة من المواطنين، على أن يتم إبلاغ مركز المعلومات في القوات المسلحة؛ ليمكن توجيه القوات إلى مناطق الاستغاثة. ولقد تزامن مع هذا شائعات تنمي يمينا ويسارا عن أن هناك قطعا للمياه عن كل مناطق القاهرة، وهو الأمر الذي لم يكن صحيحا على الإطلاق. ثمة حقيقة كانت تأتي من خلال عملية الاتصالات، أن الذين يقومون بعمليات السرقة والنهب، كانوا يستخدمون عربات الشرطة والإسعاف في تلك العمليات المنظمة، وقد حذرنا المواطنين في تلك المرحلة من ذلك، ومن ضرورة التأكد من هوية أي شخص يحاول إيقافهم، وعدم الثقة في أن عربات الشرطة أو الإسعاف حقيقية، وإنما هي عربات مسروقة يتم استخدامها في هذه العمليات.

   فجأة تحول المكتب الذي أعمل فيه، والمكتب الملحق به الخاص بالسكرتارية، وغرفة الاجتماعات، إلى غرفة عمليات، الكل بلا استثناء تركوا أعمالهم وتفرغوا لتلقى الاتصالات والاستغاثات، تحول كل منهم إلى بطل في داخله، كانت هذه اللحظات، من اللحظات التي أعتز بها كثيرا في حياتي المهنية والعملية. عندما تحول كل من يعمل إلى جندي في مكانه؛ إلى شخص يقوم بما يمليه عليه ضميره، جلس الجميع، محررون ، مذيعون، مخرجون، حتى الساعي، جلس على أحد المكاتب وأخذ أحد التليفونات لكي يتلقى الاستغاثات، ويدونها ويسلمها وكان ذلك يتم بتجميعها وإرسال صورة منها إلى الاستوديو حتى يتم إذاعتها، وصورة أخرى يتم إرسالها بالفاكس إلى مركز العمليات في القوات المسلحة، وصورة ثالثة يتم إرسالها إلى جهاز المخابرات؛ حتى يمكن إنقاذ هؤلاء المواطنين الذين يتعرضون إلى هذه الأخطار التي تهدد حياتهم. هذا الإحساس لدى كل من شارك فيه، كان به قدر كبير من النبل والرقي والسمو، كان كل منهم يشعر بأنه يفعل أمرا مهما.

Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s