احذروا أن تضيعوا لمصر قدرها وقيمتها

عبد اللطيف المناوي222
من أكثر الأنباء إزعاجا -وهي كثيرة هذه الأيام- ذلك الخبر الذي تسرب ويفيد أن حكام مصر الجدد قد اتفقوا مع حكام ليبيا الجدد على تسليم عدد من الليبيين المقيمين في مصر -نحو 1800 ليبي ممن عملوا مع الرئيس الراحل معمر القذافي- وعلى رأسهم أحمد قذف الدم الذي كان منسقا للعلاقات المصرية الليبية ولعب دورا مهما في تقوية العلاقة بين البلدين على المستويين الرسمي والشعبي في الفترة السابقة واحد الذين شاركوا في حرب أكتوبر1973 ضمن القوات الليبية. والمقيم فيمصر بعد انطلاق الاحداث هناك بناء على دعوة من وزير الخارجية وقتها أحمد أبو الغيط.
هذه الصفقة المشبوهة نظير ثلاثة مليارات دولار وفرص عمل في ليبيا، وكشف أحد المراكز البحثية في واشنطن عن وجود صفقة بين جماعة الإخوان المسلمين في مصر وبين السلطات الليبية تسلم مصر بموجبها رجال القذافي مقابل الحصول علي استثمارات نفطية بالمحافظات الشرقية في ليبيا. أميل لتصديق هذا الخبر الآن لأن له أساس فقد علمت منذ حوالي أربعة أشهر عن مفاوضات تمت بهذا المعنى، وبدأ”المزاد” وقتها بخمسمائة مليون دولار. لم أصدق وقتها هذه المعلومات، فلم أظن يوما أن تصل درجة الجهل بقيمة مصر والاستهانة بها ممن تصادف وأن جلس في مواقع قيادتها هذا المستوى، ولكن تأتي الأنباء الاخيرة لتؤكد هذا التخوف، بالفعل يجهلون ويصغرون حجم مصر ان هم نفذوا تلك الصفقة.
قيمة الدول تقاس بمدى تمسكها بقيمها، وجزء من قيمة مصر هو كونها تاريخيا ملجأ لكل من طلب الأمان، و قد تكون أولى رحلات اللجوء السياسي تاريخياً هي نزوح السيد المسيح والسيدة مريم العذراء إلى مصر هروبا من الرومان.
لقد عرفت مصر الفرعونية نظام اللجوء فى المعابد والقصور والمقابر الملكية باعتبار الملوك آلهة أو أبناء ألا لهه والهرب من الجماعة واللوذ باله الملجأ، ثم تحول الأساس الدينى للجوء إلى أسس مجتمعية، وأصبح الدفاع عنه دفاع عن شرف الجماعة. ثم نقل العرب المسلمون إلى مصر تقاليد عرب الجزيرة وأحكام الإسلام القاضية باحترام الملجأ وحماية اللاجئين، وتركت أثرها فيما يظنه المصريون اليوم من حرمة لاماكن العبادة وقبور الصالحين، وما يفخرون به مما خص الله بهمصر ليدخلها كل مضطر مكروب سالما أمنا ـ ادخلوها بسلام آمنين ـ وهى معادلة دقيقة ركناها السلام لمصر من الأذى مقابل الأمان للقادم اليها، فان هو حفظها حفظته وان أعطاها السلام بادلته الأمن والطمأنينة أما العرب المشهور عنهم الكرم ونجدة الملهوف وإيواء المستغيث واحترام الكلمة، والعدوان عندهم على اللاجئ يعد عدوانا على قبيلة الملجئ كلها وعلى شرفها وكان للكعبة حرمتها منذ بنيت ثم أضاف الإسلام أليها قدسية خاصة ليأمن فيها الفارون والمذنبون والتائبون حيث جعلها الرسول الكريم يوم فتح مكة ملاذا لمن أراد الأمان من كفار قريش (من دخل الكعبة فهو أمن) أما الشريعة الإسلامية فقد أقرت الأمان حتى للمشرك فيصبح اللاجئ مستأمنا بمقتضاه، هذه هي الأصول التي على أساسها نشأ مفهوم اللجوء في البناء القيمي المصري.
الدستور المصرى الأول الصادر دستور 23 حظر تسليم اللاجئيين السياسيين وصار بعد ذلك تقليدا فى جميع الدساتير المصرية. وكان أول لاجئ إلى مصر في القرن العشرين بعض أفراد عائلة قيصر روسيا، والذي هرب من روسيا بعد الثورة البلشيفية، وطلب اللجوء السياسي لمصر في عهد السلطان حسين عام 1917. وفتحت مصر أبوابها أمام كل الجميع، منهم من عاد الى بلاده ليتولوا مقاليد الحكم فيها مثل رئيس العراق الأسبق، صدام حسين، وشكري القوتلي الذي لجأ إلىمصر 1950، وعاد إلى سوريا 1954 كرئيس. وكذلك الحبيب بورقيبة، الذي عاش في مصر فترة طويلة، قاد خلالها الكفاح ضد الاستعمار. وكذلك من خرجوا من السلطة لجأوا الى مصر مثل الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري وشاه ايران وعبدالله السلال رئيس اليمن الأسبق، وكذلك إدريس السنوسي ملك ليبيا السابق.
النيابة العامة في مصر قد أعلنت تشكيل لجنة مشتركة من الجانبين المصري والليبي تحت إشراف مباشر من النائبين العامين المصري والليبي تتولي ” تذليل جميع العقبات القانونية ” بشأن عملية التسليم، والغريب هنا أن النائب العام الذي يحمي القانون والعدالة يبحث عن السبل التي يذلل العقبات لتسليم من لجأوا الى مصر!!
 لن أتحدث هنا عن الاتفاقيات الدولية التي تحظر تسليم اللاجئيين في حالة وجود خطورة عليهم وامكانية تعرض حياتهم للخطر وبالتالي فان تسليم مصر للاجئين يعد جريمة دولية، ولكن يكفي أن أتحدث عن الجانب اللا أخلاقي في حال حدوث ذلك والإساءة الى قيمة مصر وقدرها الذي كسبته في تاريخ الانسانية والذي يتعرض للضياع على أيدي من لا يدرك ويفهم هذه القيمة من أجل هدف جماعة وحفنة دولارات.
Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s