الجمل غير المكتملة والفعل الناقص

IMG_0132بقلم   عبداللطيف المناوى

«أى نجاح مرتبط بأن يستكمل الفعل، وأى نجاح جزئى هو فشل جزئى، وفى بعض الأحيان فشل كلى. وأى جملة غير مكتملة هى جملة مشوهة، مهما بلغ مستواها البلاغى تظل عاجزة عن الوصول إلى المعنى المكتمل، تظل مثلها مثل النوايا الحسنة غير المرتبطة بفعل، تؤدى فى بعض الأحيان إلى جهنم أو إلى الفشل. نحن فى حياتنا الخاصة والعامة نحترف عدم إكمال الجملة، عدم إتمام الفعل. نبدع فى بدايتنا، انطلاقاتنا، لكن لا نملك القدرة أو الرغبة فى الاستمرار بنفس قوة الاندفاع الأولى، يحدث هذا- كما ذكرت- فى حياتنا العامة، لذلك تظل النتائج دوما مرتبطة بعناصر خارج إرادتنا، ذلك لأننا أطلقنا الفعل، ولم نرغب أن نستمر فيه بقوة البدء ذاتها، بدأنا جملتنا ولم نستكملها».

تلح علىّ فكرة الجمل غير المكتملة منذ فترة، وزاد الإلحاح خلال متابعتى حركة الشارع والمعارضة خلال الأشهر الأخيرة، وهذا أعادنى لأقرأ ما كنت قد كتبت منذ ما يقرب من عشر سنوات حول الموضوع ذاته عندما كنت منشغلا أيضا بهذه العادة التى تلازمنى منذ زمن، حتى إننى اخترت عنوانا لأحد كتبى «الجمل غير المكتملة»، ومنه الجزء الذى بدأت به مقال اليوم. عدم إكمال الفعل لازمنا منذ سقط النظام السابق، فقد سقط وبقيت عاداتنا التى لم تتغير فسقطنا نحن «غنيمة» سهلة فى أيدى القوة الوحيدة التى كانت منظمة إلى حد ما، وكان هدفها واضحا بلا ضبابية، الحكم والسيطرة كانا هما الهدف،

ومارسوا كل الحيل والتحالفات البريئة وغيرها مع جميع القوى، واستغلوا العادة المتأصلة فينا: عادة النفس القصير وعدم استكمال الفعل، وسهولة التشويش على الهدف. وقد مارسوا هذا منذ اللحظة الأولى مع المجلس العسكرى السابق الذى عجز عن استكمال الفعل، رغم النوايا الحسنة والصادقة التى كانت تملأ معظمهم، لكن العجز عن استكمال الفعل، أو لنقل الخوف- أو التخويف- من استكمال الفعل، أدى بنا فى النهاية إلى ما نحن فيه.

أيضا لم تقصر القوى الشبابية فى ممارسة الرذيلة نفسها، الفعل الناقص، دفعت الأمور خطأ عكس الاتجاه، الذى كان ينبغى أن تدفع فيه، دفعتها الجماعة المنظمة لأن تعمل لحسابها دون أن تدرى، دفعتهم لهدم أو خلخلة قوائم الدولة متجاوزة هدف إسقاط النظام إلى مرحلة إسقاط الدولة ذاتها، وكان سلاحها فى ذلك هو تلك القوى الشبابية التى استسلمت هى الأخرى لدق الإسفين الذى دقته الجماعة بين هذه الجماعات الشبابية والقوى المدنية، وبين الجيش الذى كان يمثل القوة الوحيدة المرجحة لتنفرد هى به وتحصل على الغنيمة كلها لا يشاركها فيها أحد، وعندما بدأت هذه القوى الشبابية غير المنظمة تدرك الخدعة التى وقعت فيها، ووقعنا جميعا فى قبضة الجماعة بسببها، توقفت عن الفعل الإيجابى وعادت «للخلف در»، كما سبق أن ذكرت، خلف شاشات أجهزتها مرة أخرى.

أما القوى المدنية والليبرالية والمقيدون فى كشوف الليبراليين فحدّث عن خطواتهم المترددة وفعلهم غير المكتمل على طول الخط ولا حرج. ولعل موقفهم وسلوكهم طوال الأشهر الأخيرة خير دليل على ما قصدت، يبدأون بحماس وقوة ويفاجئوننا بتراجعهم وتوقفهم وعدم قدرتهم على استكمال الفعل. ذكرت من قبل أن ما حدث مؤخرا هو ما دفع بهذه الأفكار لأن تعود لتحتل تفكيرى، وأكثر ما قصدت بالأحداث التى وقعت مؤخرا هو ما حدث فيما اصطُلح على تسميته مظاهرات الاتحادية، والحدث الثانى هو ما نتابعه هذه الأيام. فى الاتحادية فاجأ الناس الجميع بأسلوبهم ومستوى غضبهم، وتصاعدت الأمور إلى مرحلة عالية،

 بدا فيها ما يحدث كأنه موجة فى سلسلة من الأمواج التى تهدف لإعلان أن الشعب هو صاحب القرار، لكن فجأة تحولت تلك الموجة العاتية إلى موجة وحيدة تتكسر بشكل مفاجئ ومريب على صخرة تردد وتراجع وتفتت القوى المدنية، التى قررت فجأة التراجع بشكل مريب ومثير للتساؤل. ولا يختلف الوضع كثيرا الآن، فهو تكرار على مستوى مختلف وانتشار أكبر لما حدث فى الاتحادية، لكن التشابه حدث هذه المرة أيضا فى مواقف القوى الليبرالية والمدنية التى تعطى الانطباع بأنها على استعداد للتنازل لكن الخلاف على الثمن، وهنا تتكسر الجملة مرة أخرى ولا يكتمل الفعل. لكن هذه المرة هناك مكسب مهم هو فى ذلك التطور الحادث فى انتشار وتنوع الشارع على مدى الوطن، وكذلك إثبات أن الشارع قد تجاوز من يحاولون إعطاء الانطباع بأنهم قادته.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s