زمن الأصنام وقديم الكلام

3333عبد اللطيف المناوي
لأننا لم نعتاد على القدرة على المواجهة حتى لو كانت قاسية فقد وجدنا أساليب مختلفة للتعامل مع الواقع، هي في الحقيقة أساليب خداع أكثر من تعامل مع الواقع، واذا كان هذا السلوك يمكن قبوله أحيانا أو تفهمه عندما يسلكه الأفراد فانه من غير المقبول على الاطلاق أن يتم اعتماده اسلوبا من رجال الحكم الذين يفترض فيهم الأمانة في التعامل وفي موتجهة الواقع والمشكلات، وأيضا الصراحة في طرح هذا الواقع أمام الجماهير التي ينبغي أن تثق فيهم نظريا على الأقل. مع الأسف لم يكن هذا أسلوبا متبعا منذ عقود، ولم نواجه مشكلاتنا بصراحة وأطلقنا مسميات مقبولة على واقع ومشكلات غير مقبولة. بدلا من الحديث الواضح الصريح عن الغاء الدعم تحدثوا عن ترشيد الدعم، ولسنوات طويلة خجلنا من الحديث عن الفقر وتحدثنا عن محدودي الدخل لا الفقراء، وسموا سفع الاسعار تحريك الأسعار، وغيرها من الأمثلة الكثيرة التي عايشناها لفترات طويلة. والحقيقة أنه كان هناك ادراك نسبي في الأعوام الأخيرة لهذه الحقيقة وبدأ تعامل مختلف مع بعض هذه الموضوعات التي كنا نتجنب الاعتراف بها.
ظن الناس -وبعض الظن اثم- أنهم يستحقون بعد أن أسقطوا النظام السابق أن يكون لديهم نظام جديد يتعامل معهم بما يعتقدون أنهم يستحقون، ولكنهم تفاجأوا بنظام لم يختلف عن السابق الا في اطالة اللحى، بل وزاد علي السابق أنه استحضر كل التراث الالتفافي القديم منذ نشأة البيروقراطية المصرية ليمارسوها على المواطنين، وبدأت النبرة القديمة تعود بحدة الى الساحة يحملون مسؤولية فشلهم على الآخر من بقايا النظام السابق وعلى المواطنيين الذين لا يحمدون الله على نعمته وعلى الخير الذي أتوا به لمصر كما سبق ووعدوا. وبات الحديث مرة أخرى يعود الى الأسلوب والمصطلحات القديمة التي ظننا لفترة أنها انتهت فاذا بها تعود وبقوة، وبدا الأمر وكأننا نستمع الى كلام قديم في زمن أقدم. خرج أحد العباقرة الجدد من الحكام الجدد ليؤكد لنا أن تحريك الأسعار لا يعني رفع الأسعار، وخرج آخر ليؤكد أن خير مصر كثير ولكن المشكلة في الناس التي تطلب المزيد، وخرج رئيسهم ليبشر أن رزق الله كثير و”الخير كتير والحمد لله” يقول هذا بينما الأعاصي تعصف بالاقتصاد المصري والمواطن المطحون، ومن أراد أن يناقش اتهمه ممثلي الجماعة في الحكم بأن هؤلاء مشككين مفلسين. وبينما يتحدث ممثلهم عن الاقتصاد المصري وكأنه يتحدث عن الاقتصاد الياباني يخرج أخد مسؤوليه ليبشر الناس أن حصتهم سوف تكون ثلاثة أرغفة خبز في اليوم، وعندما يحاول من يحاول الاعتراض يخرج جيش التابعين ليتهموا من يعارض بعدم الفهم، فالأرغفة الثلاثة القادمة سوف تكون بمثابة ثلاثين رغيفا مما تعدون. 
ولا يقف الأمر عند هذا الحد في استحدام التعبيرات القديمة في هذا الزمن الأقدم بل تجاوز ذلك الى خلق أصنام جديدة مثل صنم الذات الرئاسية والمزج بين شخصية الرئيس وكل والوطن، واستعدنا من الذاكرة القريبة نموذج “سيد قراره” الذي كان يطلق على مجلس الشعب فيما سبق ليظهر لنا صنم جديد هو مجلس الشورى ومن قبله صنم التأسيسة. أما الصنم الأكبر الغي قابل للاقتراب أو التشكيك أو التساؤل فهو صنم الجماعة التي خلقت في البداية ثم خلق من حولها كل مفاهيم الوطنية والكفاح، خلقت ذات شرعية أبدية أزبية غير قابلة للتشكيك أو اختبار قانونيتها وشرعيتها أمام أي محكمة دنيوية.
ظننا -وبعض الظن اثم- أن القادم يحمل شعلة تقود الى الأمام فاكتشفنا أن الوطن يعودون به الى الخلف.
Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s