البحث عن «رجل المستحيل»

1248010192 بقلم   عبداللطيف المناوى

تعريف «الغباء» هو: تكرار الفعل أكثر من مرة مع توقع نتيجة مختلفة.. وهذا هو أحد ما نواجهه من سلوك منذ استولت جماعة الحكام الجدد على مقاليد السلطة فى مصر، ليس منذ عدة أشهر فقط، ولكن منذ ساقت كل القوى الفاعلة فى تلك الفترة نحو تحقيق الهدف الخاص بها. والحقيقة أنه لا يمكن اتهامها باحتكار هذه الصفة وحدها، فقد شاركها فيها العديد من القوى السياسية التى تدَّعى امتلاك الشارع، فى الوقت الذى خرج فيه الشارع- أو معظمه- عن سيطرة أو تأثير أى من هذه الجماعات، معارضة أو حاكمة.

الجماعة الحاكمة ظلت منذ اللحظة الأولى تتبع أسلوباً واحداً ثبت مع الزمن أنه يحقق لها ما تهدف، هذا الأسلوب هو عدم إعطاء أى أهمية لأصوات المعارضة بأشكالها المختلفة، وعدم الاهتمام باتجاهات الرأى العام الحقيقية، لكن كان المهم لديها طوال تلك الفترة كسب المزيد من الأرض فى كل مرحلة، واتبعت أسلوب خلق الأزمة تلو الأزمة فى محاولة منها لشغل الأطراف الأخرى بالأزمات المتجددة بما يسمح للجماعة بالتقدم إلى الأمام وتحقيق مغنم جديد بينما الآخرون منهمكون فى التعامل مع الأزمة الجديدة التى خلقتها لهم الجماعة، ولنا فى حكاية الإعلان الدستورى، ثم عملية سلق الدستور، نموذج واضح على هذا السلوك. تكرارهذا الأسلوب نجح عدة مرات حتى الآن، وهو يثبت عكس ما ذكرت فى بداية المقال، ولكن السؤال هنا الآن: هل سوف تنجح الجماعة فى اتباع هذا الأسلوب طويلا فى الفترة المقبلة؟ أظن أن الإجابة هنا تكون بالنفى لسبب بسيط هو أن الشارع فى هذه المرحلة خرج عن طوع القوى السياسية كما ذكرت، بل خرج عن المنطق بعد أن تسببت الجماعة فى إحداث حالة شبيهة بحالات ما قبل الانفجار نتيجة السلوك الملتوى الذى نجحت فيه طوال الفترة الماضية، ويبدو أن عدداً كبيراً من الناس قد بدأ يضيق بذك الإحساس بالاستغفال الذى يمارَس عليهم.

الأسلوب الآخر الذى تمارسه الجماعة كلما واجهت أزمة هو الصراخ بصوت المظلوم، والتلويح بأوراق لا يعلمها سواهم، تتحدث عن مؤامرة لإسقاط الدولة، وأنهم بتوفيق من الله وإلهام لمندوبهم فى الرئاسة وتعاون من الشرفاء فى أجهزة أمن الجماعة قد تمكنوا من الكشف عن هذه المؤامرة التى تهدد أمن البلاد والعباد. هذه المؤامرة المزعومة هى تكرار لقصة المؤامرة التى تحدثوا عنها من قبل، وأكد مرسى أن لديه الوثائق واعترافات المتهمين وقت تطورات الاتحادية- التى تصاعدت وتوقفت فجأة دون أن أفهم السبب حتى الآن(!!)- وبعدها حدثت فضيحة مدوّية عندما خرج وكيل النائب العام ليخلى سبيل الجميع ويؤكد أن ما ذكره من يشغل منصب الرئيس غير صادق،على الرغم من ذلك خرج الموقع التابع لهم ليروى رواية طويلة عن مؤامرة اشترك فيها عدد من المعارضين خططوا فيها للإطاحة بـ«مرسى» وهم فى جلسة عشاء. وبالطبع ضحك الناس كثيراً على هذا الأسلوب الفقير للخيال ولكنه ضحك كالبكاء. ومن هزل وهزال القصة التى رووها اقترحت وقتها أن يستعينوا بخبرة الصديق نبيل فاروق لعله يستطيع أن ينقذهم بقصة مناسبة يكون بطلها «رجل المستحيل» القابع فى أحد القصور الرئاسية دون تحديد، حرصاً على سلامته.

لم يتعلموا من الخطأ، وها هم اليوم يخرجون مرة أخرى برواية عن مؤامرة للإطاحة بنظام الحكم وتدمير الدولة، اخترعوا هذه القصة وتحدث مندوبهم عن تمويل خارجى واستهداف للنظام، مرة أخرى يخترعون الكذبة ويحاولون تسويقها وإقناع البسطاء بها، ويبدو أنهم نسوا أو تناسوا ما حدث منذ أسابيع، أو أنهم واثقون هذه المرة من أن أحداً لن يجرؤ على كشفهم فى ظل الظروف المختلفة التى سيطروا فيها على مساحات واضحة من جهاز القضاء، وأسكتوا جزءاً آخر فى ظروف تبدو أيضاً غامضة.

الحيلة الأخرى التى تمارسها الجماعة ومندوبها ومرشدها هى الدعوة للحوار، تلك الدعوة الرومانسية العائلية الحميمة التى يدعون فيها أبناء هذا الوطن للحوار للعمل على إنقاذه، لكن بشروط، ليس للمجتمعين الحق فى مناقشة أى أمور جادة أو مصيرية أو تمس خطة التمكين أو تقتطع جزءاً من الغنيمة، لكن يمكن النقاش فى أمور أخرى مثل: هل يستخدم الإصبع الأيمن أو الأيسر أثناء إلقاء الخطاب؟ وهل يمكن ارتداء رابطة العنق بألوان محددة أم أن هذا خيار رئاسى؟ وهل الموت بضغط الدم للناس أفضل أم الموت قهراً بالإحباط واليأس؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s