قرود الحكمة

images بقلم   عبداللطيف المناوى

تقفز إلى الذهن صورة «قرود الحكمة» عندما نرى موقفا سلبيا لا مباليا، وهذا ما رأيناه ونراه من الحكام الجدد، فقد بدا وكأن الأمر لا يعنيهم، تسقط الضحية تلو الضحية فيقلبون الشفاه لا مبالين، تسد الصرخات والهتافات أنحاء البلاد فلا يسمعون، عشرات الآلاف فى كل ميدان من ميادين المدن فلا يرونهم وكأنما عميت أبصارهم. قرروا أن يمارسوا شكلا من أشكال العمى والصمم الاختيارى، لم أكن لأقول ما أقول لو لم يكن هذا الموقف شديد اللامبالاة من الجماعة الحاكمة وممثلها فى قصر الرئاسة من كل ما حدث ويحدث فى مصر خلال الأيام الأخيرة.

عشرات المصريين سقطوا ضحية هذا الكبر والعناد والإنكار، خرجوا مع مئات الآلاف ليقولوا إنهم يرفضون الاحتكار والإقصاء، خرجوا ليؤكدوا حقوقهم المتساوية والتى ينكرها عليهم الحكام الجدد بسبل وطرق ملتوية وادعاءات بأنهم وحدهم يمثلون الشعب ولا يبالون بهذه «القلة المندسة»، اختفى من ادعى أنه رئيس كل المصريين ولم يصدر له صوت وهو الذى اعتاد أن يخطب مرة كل يومين حسب بعض الإحصائيات.

بعد سقوط العشرات وإصابة المئات اجتمع مجلس الدفاع الوطنى برئاسة رئيسه وخرج ببيان مبهم قرأه أحد وزراء الجماعة مستخدما «الجيم» المعطشة، تحدث عن هيبة الدولة التى اهتزت وتجاهل الحديث عن الأسباب التى دعت الناس للخروج، تحدث عن الأزمة التى تمر بها البلاد ولم يعترف من هم سبب هذه الأزمة. وجه الدعوة مرة أخرى إلى أكذوبة الحوار الوطنى الذى يستخدم كوسيلة من النظام الحاكم لوأد الأفكار وإجهاض أى مطالبات جادة بتغيير الواقع الذى فرضوه.

هذا التعامل مع ما حدث ويحدث وهذا البيان الذى يعمق الأزمة ولا يحلها يخلق إحساساً عميقاً بالغضب والإحباط من الواقع الذى يريد الحكام الجدد فرضه علينا سواء رضينا أو لم نرض. والخطورة هنا هى تلك المحاولة لجمع عناصر ووسائل قوة الدولة ووضعها فى يد النظام فى مواجهة من يعترض ويعارض النظام، وأنا هنا أنقل قلقا حقيقيا لدى قطاع كبير من المصريين لما يرونه من محاولات مستميتة من بعض عناصر الحكم للدفع بالقوات المسلحة للتورط فى مواجهة الشعب تحت ستار هيبة الدولة واستعادة القانون وحماية الشرعية، هذا عنصر قلق حقيقى كما قلت لدى العديد من المصريين، والمطلوب الحذر والتأكيد العملى على الموقف الثابت للقوات المسلحة التى اختارت الخروج من ساحة العمل السياسى وانحيازها قولا وفعلا للحفاظ على الدولة بمفهومها العام والدفاع عن الشعب بكل عناصره.

قبل أن أواجه الاتهامات بأننى من الداعين للعنف أؤكد ــ كما أكدت دائما ــ أننى ضد أى شكل من أشكال العنف، وأجرم كل من يتسبب فى إسالة دماء مصرى لأى سبب كان، ولكننى هنا أتساءل كما يتساءل الكثيرون: لماذا الآن يرفض الحكام الجدد الأساليب التى كانوا سباقين فيها من قبل، ألم يحرقوا من قبل الأقسام ويقتحموا السجون؟

 ألم يشاركوا فى المظاهرات محملين بالحجارة والمولوتوف والخرطوش وادعى البعض وجود أسلحة حقيقية؟ ألم يمارسوا التهديد بحرق مصر وتفجير الأوضاع والمنشآت ما لم يحصلوا على ما ليس من حقهم؟ ألم يقودوا ويدفعوا الشباب إلى اقتحام المنشآت والمحاكم ومقار أمن الدولة سابقا لحرقها وإتلاف محتوياتها ورأوا فى ذلك سلوكا «ثوريا» محمودا يحققون به أهدافهم ليجلسوا هم وحدهم لا شريك لهم على كرسى الحكم؟ الآن يرفضون السلوك الذى كانوا سباقين فى انتهاجه ودفعوا الكثيرين لاكتشافه وممارسته.

لكن يبقى السؤال: من المسؤول عما وصلنا إليه؟ والإجابة قد تكون طويلة ومعقدة وتعود أصولها إلى عشرات السنين، لكن المسؤول المباشر الآن هو الجماعة الحاكمة التى تصر على احتكار السلطة واحتقار مطالب من لا تعتبرهم من حلفائها أو أهلها وعشيرتها والادعاء بأنها هى وحدها الشعب، أو على الأقل هى وحدها من تمثل الشعب. المسؤول هو ذلك السلوك المتجاهل والمتكبر على مطالب المصريين أو قطاع كبير منهم، والالتفاف على هذه المطالب لإجهاضها ودفنها.

منذ صغرى استوقفتنى تلك الصورة لقرود الحكمة الثلاثة وسعيت أن أفهم ماذا تعنى، وعرفت أن هذه القرود تمثل الحكمة «لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم» أول هذه القرود يغطى عينيه ويرمز إلى مبدأ «لا أرى الشر»، والثانى يغطى أذنيه ويرمز إلى مبدأ «لا أسمع الشر»، والثالث يغطى فمه ويرمز إلى مبدأ «لا أتكلم الشر».

ويعتقد الكثير من العلماء أن القرود المنحوتة على أحد المزارات المشهورة فى اليابان تمثل مبدأ دينيا فى آسيا، أى أن هذا الفعل الذى يبدو سلبيا ليس كذلك، لكن الجماعة الحاكمة قررت أن تمارس سياستها بفهمها المغلوط للحكمة، فهى لا ترى ما فعلت أيديها وسياستها ولا تسمع مطالب الناس وغضبهم ولا تتكلم إلا ادعاء بأنها كل الشعب، وأحيانا ظل الله على الأرض.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s