سؤال إلى الحكام الجدد: هل دفعتم الضرائب؟

بقلم عبد اللطيف المناويUntitled

تذكرت عندما كان صديقى المصرى الذى يعيش فى بريطانيا منذ سنوات طويلة يقول لى تعليقا على المرشحين للرئاسة قبل الانتخابات “هل قدم هؤلاء المرشحون أمام المواطنين والمجتمع ما يثبت أنهم دفعوا الضرائب؟ وهل دفعوها كاملة أم تهربوا من جزء منها؟ كنت أرد عليه ضاحكا بأنه لا يمكن الحكم على مجتمع بقوانين مجتمعات أخرّى، هم فى بريطانيا مروا بمراحل طويلة حتى وصلوا إلى تلك الثقافة التى تتعامل مع جريمة التهرب من الضرائب باعتبارها جريمة مخلة بالشرف. وقتها استحضرت أمامى صورة المحاسب الذى كان يجهد نفسه فى وضع ميزانيات خاسرة لمن يعمل معهم للتهرب من الضرائب. لكن الأيام تثبت صحة وجهة النظر التى تبناها صديقى من أن الالتزام بدفع الضرائب من عدمه هوأمر فاصل للحكم على من يتولى مسئولية، خاصة إذا كانت قيادة دولة، فمن يسرق حق الدولة والمجتمع وهو مواطن عادى، معارض أو مؤيد، لا يؤتمن على الوطن عندما يكون فى وضع الحاكم، خصوصا إذا ما ادعى أنه حاكم بأمر الله.

بعد وصول الجماعة إلى سدة الحكم فى مصر، وبعد أن أحكمت سيطرتها على مفاصل الدولة، يحق لنا أن نطالب بأن تتقدم هذه الجماعة  وقياداتها التى باتت هى قيادات البلاد -رغم أنف الجميع- بكشف حساب عما كان لديهم، ومن أين

لهم كل هذا، والأهم هل دفعوا الضرائب المفروضة عليهم أم لا؟.. لا أظن أنه يمكن الوثوق فيمن خان الأمانة فى السابق، ولا يمكن القول بأنهم كانوا معارضين للنظام، لأن الضرائب هى حق المجتمع لا حق النظام، وإلا سرى على معارضى هذه الأيام حق التهرب الضريبى، ويمكننا هنا إضافته كمادة فى دستورهم المعيب، الذى يجبروننا على أن نتجرعه.

سمعنا وقرأنا عن حكايات كثيرة ومتعددة بها وقائع ووثائق، وفيها بعض من خيالات، حول ثروة الجماعة كتنظيم محلى وكتنظيم دولى- وقياداتهم محليا ودوليا، ووصل الأمر إلى حد أن وضع البعض تقديرات تجاوزت الستين مليار دولار خصصها التنظيم الدولى للجماعة من أجل إسقاط مصر فى قبضتهم منذ منتصف التسعينيات. أيضا الحكايات

الكثيرة عن عمليات تهريب الذهب والآثار وغسيل الأموال التى تخصص فيها الصفوة من قيادات الجماعة فى الداخل والخارج، وحوكم العديد من قياداتهم بهذه الجرائم، وأدين بعضهم. أظن أن كل هذه التساؤلات والاتهامات -أوالحكايات- تحتاج إلى توضيح شافٍ للرأى العام، وتجاهل ذلك لن يعنى سوى شكل من أشكال التعالى على الشعب

وهو أمر مرفوض، وأيضًا اعتراف ضمنى بصحة هذه الاتهامات.

الأمر الآخر المهم هو موقف القيادات الفاعلة من الجماعة، خاصة أولئك الذين يطرحون أنفسهم باعتبارهم القيادات الحقيقية صاحبة القرار وصناعته فى الجماعة والدولة، يساعدهم فى ذلك قدراتهم الاقتصادية وأموالهم الضخمة بغرابة، والتى جمعوها فى ظل النظام السابق الذى كانوا يدّعون أنه يضيق عليهم، واليوم لا يكتفون فقط بالتأثير

فى قرار الجماعة، وبالتالى الدولة، لكنهم يستغلون وضعهم لتحقيق مكاسب اقتصادية خاصة بهم، والدليل على ذلك أن زيارة الوفود الأجنبية خاصة الاقتصادية منها لمن يشغل منصب رئيس الدولة باتت زيارة بروتوكولية فى حين الزيارة العملية والمؤثرة هى لآخرين داخل الجماعة وليس لهم منصب رسمى فى الدولة. وهنا قبل أن نطالبهم بالتوقف الفورى عن استغلال مواقعهم نريدهم أن يخرجوا علينا بالإجابة عن السؤال البسيط: من أين لكم هذا؟ إضافة إلى الإعلان عما دفعوه من ضرائب طوال سنوات عملهم، وما إذا كان قد تهرب من دفع ما عليه.

الاستهانة بالرأى العام هى الآفة التى وقع فيها من حكموا مصر طوال العقود الأخيرة، وهذه الاستهانة أكثر حضورا فى ظل الحكام الجدد، وعدم مواجهة الرأى العام باحترام لذكائه هى مقدمة السقوط القادم فى هذه الحالة لا محالة، وإن طال الوقت. لدى العقول الأكثر تحضرا يتم وضع ألف حساب للرأى العام من قبل المؤسسات الصغيرة أو الكبيرة أو الحكومات، وفى هذا الإطار وفى ظل حديثنا عن الضرائب أشير إلى موقف صغير، لكنه ذو دلالة؛

عندما وقف البريطانيون متظاهرين أما محلات القهوة الشهيرة “ستار بكس” التى انتشرت فى أنحاء بريطانيا منذ أربع عشرة سنة، تظاهروا أمامها وطالبوا بمقاطعتها، وبدأت المقاطعة بالفعل من قبل المواطن البسيط، لأنهم اكتشفوا أن سلسلة المقاهى الشهيرة لا تدفع الضرائب الصحيحة المفروضة عليها، واستجابت الشركة المالكة فورًا، والتزمت، واعتذرت.

مرة أخرى، الضرائب هى حق المجتمع، وإذا لم يكن الشخص أو الجماعة أمناء -من قبل- فى الحفاظ على حق المجتمع فهم غير جديرين بأن يكونوا جزءًا محترمًا منه، فما بالك إذا حكموه؟!

“هذا المقال نشر فى العدد الأول من مجلة 7 أيام”

Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s