معادلة التمكين

عبد اللطيف المناويبقلم   عبداللطيف المناوى

كنت قد كتبت منذ عدة أسابيع حول الأساليب المتبعة للاستمرار فى السيطرة على الحكم من الأنظمة التى تحمل فى طياتها العقائدية شكلا من أشكال الفاشية، وهذه التجارب سبق استعمالها وأثبتت نجاحا. وكما سبق أن ذكرت فإن هناك ما سميته «الطريقة الإيرانية» فى الاستمرار فى السيطرة، وهى الأسلوب المناسب للدول القادرة اقتصاديا، حيث تملك هذه النوعية من الدول القدرة على إسكات مواطنيها بتوفير مستوى مرتفع من المعيشة بمنطق «أطعم الفم تستح العين»، وكذلك القدرة على شراء حلفاء فى الداخل والخارج من قوى سياسية ومؤسسات وتنظيمات بل ودول. الطريقة الأخرى هى ما سميتها «الطريقة السودانية»، وهى الأسلوب الأمثل للدول غير القادرة اقتصاديا، فى مثل هذه الدول لا تملك الأنظمة فيها إلا الانطلاق إلى الأمام بأى ثمن وأى وسيلة، والأمام هنا المقصود به الاستمرار فى الإمساك بقبضة من حديد على مقاليد الحكم، والأسلوب الوحيد الذى أثبت نجاحه فى هذه الطريقة هو خلق الأزمات بشكل مستمر، ومواجهة الأزمة بخلق أزمة أكبر، فيهون وقع الأصغر عندها. وهذه الأزمات تبدأ من خلق أزمة وإشغال الناس بها وامتلاك إمكانية حلها فى بعض الأحيان، حتى خلق أو التورط فى أزمة كبيرة تكون سببا فى خلق حالة من التعاطف والتأييد للنظام القائم، وربط هذه الأزمة بالكرامة الوطنية أو الدفاع عن الشريعة والدين، وليس مهماً الثمن فى هذه الحالة، حتى لو كان ضياع نصف الوطن تحت أى مسمى، المهم أن النظام يبقى.

ما نراه فى مصر حالياً هو بداية لخلق حالة من الإشغال للناس، وقبل أن أفسر ما أقصد أود أيضاً التذكير بالعناصر الرئيسية للاستمرار فى الحكم «الرشيد»، والتى يبدو أنها درس رئيسى تتعلمه هذه النوعية من الحكام بالفطرة، وهى عبارة عن معادلة تتكون من أربعة عناصر أساسية من أراد أن يحكم ويسيطر فعليه بها، وهذه العناصر هى: التخوين، الإشغال، الإنكار وتكرار الكذب. وهذا يعنى ببساطة اتهام كل من يعارض بالخيانة العظمى ومحاولة قلب نظام الحكم، وخلق حالة من الإشغال المستمر للرأى العام بمثل هذه القضايا، إضافة إلى فتح ملفات مثيرة، فرقعات إعلامية وسياسية وقضائية، ولا بأس بفتح سيرك المحاكمات مرة أخرى. والعنصر الثالث هو التمسك بالإنكار لأى اتهام سياسى أو أخلاقى أو اقتصادى احتكارى، وإذا ما وجه بعض المعارضين «الخونة» انتقادات أو تحذيرات من خطورة وضع ما، كالوضع الاقتصادى مثلا، فإن أسلوب التعامل هو مزيج من الاتهام لهؤلاء «الخونة المفلسين»، مع إنكار وجود أى مخاطر، ولا بأس هنا من إضافة العنصر الرابع من المعادلة وهو الكذب بلا حدود وتكراره بإصرار بأن الأوضاع الاقتصادية ممتازة وأن السياحة زادت والصادرات زادت، وأن الخير الذى قالوا إنهم قد جاءوا به لمصر موجود، حتى لو لم يشعر به أحد. وأعود الآن للحديث عن أداء الحكام الجدد لمصر فى تطبيقهم الحكم على الطريقة السودانية التى أظن أنها الأكثر ملاءمة لهم، فإذا ما راقبنا ما حدث ويحدث خلال الأشهر الماضية نجد أنه ليس إلا مزيجا من كل ما سبق أن ذكرته.

ولكن يبقى السؤال الآن: ماذا هم فاعلون فى المرحلة المقبلة؟ قد يكون من المناسب تقمص شخصية العرافين أو المنجمين، الذين يملأون الشاشات والصحف هذه الأيام بمناسبة العام الميلادى، لذلك فإننى أتوقع أنه فى ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية الخانقة، التى لن تتمكن الجماعة الحاكمة من التعامل معها وإدارة الأزمة، وليس حلها فى هذه المرحلة، وهذا العجز الممزوج برغبة جنونية فى الاستمرار فى السيطرة والاستحواذ على الحكم بأى ثمن سوف يدفعهم إلى المزيد من الإشغال والإنكار والكذب المتكرر.

تذكرت مشهد الرئيس السودانى عمر البشير وهو فى زيارة إلى إحدى مدن دارفور وكنت هناك، بعد أن استقبله قطيع من الفقراء والجياع من بعض أهل دارفور بالجِمال والحمير والأحصنة، وبعد أن أدى فاصلا راقصا أمام الجماهير تحدث طويلا متحديا الغرب، أعداء الإسلام والسودان، وهاجم محكمة العدل الدولية التى أصدرت أمرا بالقبض عليه لاتهامه بجرائم ضد الإنسانية، واعتبر هذا إهانة للسودان والسودانيين، واعتبر أن انفصال جنوب السودان هو إنجاز من أجل الحفاظ على نقاء السودان المسلم. كان لسان حاله وسلوكه أنه لا شىء يهم إلا الاستمرار فى السلطة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s