محاولات إسقاط قلعة الاعتدال

الأزهربقلم   عبداللطيف المناوى

وضع سلطة رقابية وفوقية للأزهر هو إحدى نقاط الاعتراض المتعددة لى وللكثيرين على دستورهم الذى مرروه، ذلك على الرغم من الاقتناع بأهمية وتاريخية وتأثير دور الأزهر الذى يمثل منارة الاعتدال، لكن من الواضح أن الحركة قد بدأت من أجل تحقيق هدفهم بإخضاع الأزهر لسطوتهم وسيطرتهم.

الهدف التالى هو الأزهر الشريف، هذا هو ما ذكرته فى أحد المقالات منذ عدة أشهر، ويبدو أن الوقت قد حان لتنفيذ هذا الهدف. ولم تخف الجماعة رغبتها، بل بدت هذه الرغبة من خلال العديد من الإشارات والسلوكيات الدالة على ذلك، فها هو مرشدهم يعتلى منبر الجامع الأزهر، ويلقى كلمة بعد أداء صلاة الجمعة، أثناء الاستعداد لتشييع جنازة الذين لقوا حتفهم من الذين ادعوا أنهم ينتمون لهم فى أحداث محيط قصر الاتحادية. وقد لقيت هذه الإشارة استنكاراً من العديد من علماء الأزهر، كذلك موقف شيخهم القادم من دولة قطر، الذى اعتلى هو الآخر منبر الجامع الأزهر ولم يخفِ نشوته بما اعتبره نصراً وإنجازاً له أثناء خطبة الجمعة التى ألقاها، ويبدو أن الأمر قد أعجبه فألقى أخرى بعد عدة أسابيع. هذا الحضور لهذا الشيخ يلفت أنظار المراقبين فى الداخل والخارج، وآخرهم الكاتب الصحفى البريطانى المعروف مايكل بنيون الذى كتب مقالاً منذ يومين فى صحيفة «تايمز» البريطانية يشير فيه إلى القلق الذى ينتاب العديد من ساسة العالم ومن المتابعين الغربيين لتلك الرغبة الإخوانية الجارفة فى السيطرة على الأزهر، وأن الشيخ القادم من قطر، الذى سبق أن منعته السلطات البريطانية من الدخول إلى أراضيها وكذلك فعل الفرنسيون فيما بعد، هو رأس الحربة لتحقيق هذا الهدف، ونقل «بنيون» عن قادة عرب التقاهم قلقهم الشديد من أن سقوط الأزهر فى يد الجماعة سوف يؤدى إلى نتائج سلبية على بقية الدول العربية.

وقالت هذا المعنى صحيفة «واشنطن بوست» إنه فى مصر والمنطقة تكمن المخاوف الحقيقية من سقوط البلاد فى هاوية الدولة الدينية، من خلال السيطرة على هوية الأزهر التى اعتبرت لوقت طويل «منارة الاعتدال»، موضحة أن سمعة الأزهر تلك «فى خطر» فى الوقت الذى تسيطر فيه عناصر أكثر تشدداً من الفصيل الإسلامى على مجريات الأمور.

ووصفت «واشنطن بوست» الأزهر بأنه كان يمثل «الترياق ومشجع التعددية واحترام الثقافات غير الإسلامية وحقوق المرأة والأقليات عندما سادت أشكال أكثر تعصباً وأقل تسامحاً من الإسلام».

وقالت إن كثيرا من الليبراليين والمسيحيين المصريين قلقون من أن يؤدى التحول المتشدد فى أيديولوجية الأزهر إلى تفسير أكثر تطرفاً للشريعة الإسلامية، التى تعتبر المصدر الرئيسى للتشريع فى الدستورين القديم والجديد لمصر، مما يعنى حريات أقل. الجماعات الدينية لم تكن لها علاقات جيدة بالأزهر منذ ظهرت هذه الجماعات حتى وإن انتمى بعض أعضائها إلى الأزهر، ويعود ذلك فى الأساس إلى رؤية هذه الجماعات -ومن بينها من يحكمون الآن- أن الأزهر لا يحافظ على سلامة العقيدة، وكان للتغريب تأثير فيه من وجهة نظرهم، وتخطت الانتقادات فى مرحلة تالية إلى توجيه الاتهامات له بأنه تحول إلى أداة للحاكم فى مواجهة الشعب. هذا الموقف من هذه المؤسسة الدينية العلمية العريقة هو ما يفسر تلك الهجمة التى حاولتها جماعات الحكم الجديد فى مصر، حتى قبل أن تصل إلى سدته، فمنذ اللحظة الأولى بدا واضحاً ذلك الموقف المناهض للأزهر ومحاولة حصاره فى مناسبات متعددة، وكانوا يتمنون أن ينجحوا فى كسر شوكة الأزهر كما نجح الإسلاميون فى تونس فى كسر شوكة مؤسستهم الدينية «الزيتونة»، التى كانت تعانى الضعف من قبل فأزاحوها عن ساحة الفعل، لكن الوضع مع الأزهر مختلف، مؤسسة عمرها أكثر من ألف عام نجحت خلالها بمستويات مختلفة فى الحفاظ على حضورها وتأثيرها فى حياة المصريين، ونجحت نسبياً فى الحفاظ على استقلاليتها فى مواجهة الأنظمة المختلفة على مر العهود.

والأمر الأكيد أن وجود إمام للأزهر فى قامة شيخه الحالى الدكتور أحمد الطيب هو أمر لا يدخل السرور إلى قلوب تلك الجماعات، فهذا الرجل الوسطى المتفتح شديد المصرية ومن معه من رموز الأزهر وقفوا -حتى الآن- سدا منيعاً يحول دون سقوط المؤسسة العريقة فى أيدى أتباع الجماعة وحلفائها. ظل الأزهر قوياً مؤكداً استقلاليته، مستمراً فى محاولاته فى صياغة مستقبل مصر، من خلال الوثيقة الشهيرة التى تحمل اسمه وأكد فيها أن الإسلام دين الدولة، ومبادئ الشريعة المصدر الرئيسى للتشريع، وعلى الدرجة نفسها من الأهمية فإن مصر دولة حديثة وعصرية وتعددية وديمقراطية، بمعنى واضح أن تكون مصر بحق دولة مدنية. وبالطبع فإن هذا الموقف وهذا الكلام لا يصب فى خانة رؤية الجماعة الحاكمة التى ترى فى الإسلام وسيلة للقفز على الحكم ويطبقون رؤيتهم وتفسيرهم للدين كما يرونه عقائديا إقصائيا للآخر احتكاريا لهم ولأتباعهم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s