»ثقافة «السلمة المكسورة

 بقلم   عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

.. وهكذا نجحت الجماعة فى تحقيق هدفها، سواء بالتزوير أو بالحشد وجمع الأنفار فى وسائل النقل الجماعية بأشكالها المختلفة أو باستغلال الفقر والحاجة إلى الزيت والسكر وقليل من الجنيهات أو بتغرير بسطاء الناس بمظهر التدين وإقناع هؤلاء البسطاء بأن «نعم» هى مفتاح الجنة فى وجه أعداء الإسلام الذين يقولون «لا»، سواء ببعض هذه الوسائل أو كلها وأكثر منها، فقد تمكّنت جماعة الحكم الجديدة فى مصر بمرشدها وأعوانه فى المقطم وممثلهم فى قصر الرئاسة من تمرير وثيقتهم للسيطرة على مصر وجر

ها إلى مستقبل غير واضح. استطاعت الجماعة فى خلق سلسلة من الأزمات تشغل بها منافسيها السياسيين، من أجل تنفيذ الخطوة المهمة من مخططهم بتمرير ما سموه «دستورا»، وهو فى حقيقته وثيقة التمكين الجديدة.

أصبح لدينا واقع جديد لا يبشر بالخير فى المستقبل المنظور، لكن لم يعد أمامنا إلا التعامل مع هذا الواقع والبحث عن سبل تغييره.

ظللت طوال الشهور الطويلة الماضية وأنا يسكننى الخوف من أن يتحقق ما كنت أتوقعه، ظل التعبير الملازم لى فى قراءتى لتطورات الأحداث هو «أخشى ما أخشاه»، ومع الأسف فى كل مرة حدث ما كنت دوما أخشاه، حتى أصبت بعقدة من استخدام هذا التعبير. لم تلعب الجماعات والقوى الليبرالية اللعبة السياسية بقواعدها وبتجرد من الأطماع قصيرة النظر، غابت القيادة القوية، وتنازعت قيادات لا تستطيع أن تملأ الفراغ وحدها، لكن أصروا على الزعامة والمكاسب قصيرة النظر، فأصابوا الجميع بالضرر، غابت الحسابات السياسية وطغت الرغبة فى الانفراد أحيانا والانتقام أحياناً أخرى والرومانسية الثورية وأمور أخرى عديدة، فضاعت البوصلة وسيطر من وضع أمامه هدفا واضحا منذ البداية وهو السلطة تحت شعار الدين بأى ثمن.. لعبوا بكل السبل غير المشروعة فى معظم الأحيان والمشروعة أحيانا، وتفننوا فى دق «الأسافين» بين الأطراف والقوى التى كان ينبغى أن تكون فى جبهة واحدة، ونجحوا فى ذلك كثيرا للأسف، واستطاعوا أن يحيدوا القوة القادرة على الحسم وقتها وهى الجيش.

العنصر المهم والفاعل الذى لم يظهر بقوته الكاملة حتى الآن هو تلك الأغلبية الصامتة، أولئك الذين اصطلح على تسميتهم «حزب الكنبة».. صحيح أنه تم كسر حالة الغياب عن الفعل لقطاع لا بأس به منهم عدة مرات مؤخراً، إلا أن حجم مشاركتهم فى الفعل مازال دون قوتهم الحقيقية وحجمهم الطاغى، فهم بحق الأغلبية الحقيقية وليست أغلبية الصناديق المزورة والمشتراة. هذه الأغلبية هى التحدى الحقيقى لمن يريد مصر المستقبل، وإذا أردنا أن نكسر حدود الواقع المتراجع بشدة، الذى تضعنا فيه الجماعة وحلفاؤها، فإن ذلك لن يكون سوى باختراق هذه الأغلبية ودفعها للتحرك بإيجابية.

نعانى مما أطلق عليه «ثقافة السلمة المكسورة»، وهى باختصار أن أحدنا لو سكن شقة فى عمارة وكانت إحدى درجات السلم المؤدى للشقة مكسورة فإن الزوجة تطلب من زوجها أن ينتبه للسلمة المكسورة، وعندما يذهب الأولاد للمدرسة يعلو صوت الأم، منبهة أولادها: «حاسبوا السلمة المكسورة»، وهكذا أيضاً الأمر عندما يأتى زوار للشقة، نحذرهم من السلمة المكسورة، الأمر الوحيد الذى لا نفعله هو محاولة إصلاح السلمة المكسورة، وفى المقابل نحاول أن نتكيف مع الخلل ولا نصلحه. ينبغى العمل على تخليص أهلنا من تلك الصفة التى ندفع اليوم ثمنا لها، ينبغى العمل على محاربة حالة التكيف التى سوف يندفع لها قطاع كبير من أهلن.

الخامس والعشرون من يناير قادم، وأظنه الفرصة الحقيقية الأولى لإيقاظ تلك الأغلبية وخلق الإحساس بالخطر على مستقبل هذا الوطن، ينبغى أن تصل الرسالة إلى أولئك الحكام الجدد بأن هناك شعباً لن يقبل بالاستئثار والاستحواذ والإقصاء، وأن يعلموا أن هناك أغلبية تم تغييبها، عادت لتراقب وتقرر. لكن السؤال كيف يمكن الوصول لذلك؟ إخلاص وتفانى وصدق من يتحركون ويقاومون من أجل الحفاظ على مدنية الدولة أو ما تبقى منها هى الخطوة الأولى، وتراجع الاهتمام بالذات وتحقيق المكاسب الصغيرة والبطولات الوهمية والامتناع، ولو بشكل مؤقت، عن الاتهامات المتبادلة بعدم الثورية أو الرجعية أو التخوين أو الفلولية.

أظن أن الأمر يحتاج إلى تحرك سريع ونية صادقة، فالصدق عندما يكون حاضرا يصل إلى الناس بسرعة، وأظن أن الأغلبية الصامتة تحتاج إلى الإشارة الصادقة.. والتجربة الأولى على بعد أسابيع.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s