يموت القاضى حراً ولا يقتات ببيع مبادئه

 2012-634864298088568970-856_main_thumb300x190 بقلم   عبداللطيف المناوى

الارتباط شرط لا يتجزأ بين الكرامة والتمسك بالمبدأ. لا يجوز فى بعض الحالات القبول بنسبية الأشياء، فى بعض الأوقات لا يجوز استخدام «ولكن». من بين هذه الحالات المواقف المبدئية والأحكام الأخلاقية، وأظن أن على رأسها يأتى من قرر أن يكون قاضيا يحكم بين الناس.

أقرأ لبعض من انتسب إلى مهنة القضاء حالياً لغة هى أقرب لأساليب الحواة فى الالتفاف على الأمور، وكما قالوا من قبل «النحاة لا يخطئون» امتد ذلك إلى البعض من رجال انتسبوا إلى القضاء والقانون فى غفلة من الزمن، فاستغلوا ما يملكون من علم، فتعاملوا بأسلوب الحواة، وامتلكوا الجرأة لأن يقلبوا النصوص والحقائق.

أحار كثيرا فى تفسير انقلاب الأشخاص أو بعضهم على ما ادعوه دائماً من أن لهم مواقف ثابتة، وأعجب من أشخاص أدارت السلطة رؤوسهم، فتنصلوا أو تجاهلوا أو غضوا الطرف عما كان موقفا راسخا لهم بالأمس كانوا يتفاخرون به ويدعون الدفاع عنه، واعتمدوا على آفة النسيان، التى هى داء مزمن عاش قرينا بالشخصية المصرية.

إذا أمكن فهم، ليس قبول، تغير وتحول بعض البشر وخيانتهم ماضيهم، طمعا فى مستقبل يدفعون من كرامتهم ثمنا له فإن هذا الأمر لا يمكن فهمه أو قبوله، وعند بعض الحالمين، لا يمكن تخيله لدى رجال حملوا على عاتقهم العدل بين الناس.

تحولوا إلى نموذج الشيخ مبروك فى فيلم «الزوجة الثانية»، الذى وجد الغطاء الدينى والقانونى وهو يلوى عنق الحق ويُلبِس الباطل ثوب الحق، قائلا: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم». أنظر إلى وجوه ادعت يوما استقلالها وامتطت خيول البطولة، دفاعا عن استقلال القضاء ونوادى القضاة، ولبست أوشحة القضاء ونزلت بها إلى شوارع مصر وهم يدعون أنهم خرجوا للدفاع لا عن القضاء، بل عن كل المصريين وكرامتهم، هؤلاء تحولوا إلى الشيخ مبروك وهم يدورون على المصريين ليقنعوهم بعكس ما كانوا يدعون بالأمس القريب، تحولوا إلى خدام فى بلاط أولى الأمر، وهم لا يعلمون أى خسارة يخسرون، وأكاد أسمع صوتهم وهم يبررون لنا بصوت الشيخ مبروك: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم».

قلت مرات عدة فى مناسبات مختلفة إنه لا وصول إلى دولة ديمقراطية دون وجود دولة القانون، وهو كما نرى أبعد الأمور عنا، تحولت الدولة إلى غابة غاب عنها القانون، ولا يمكن أن نلوم الناس هنا إذا ما شعروا بأن مَن كان عليهم أن يحموا ويؤكدوا قيمة وسيادة القانون هم أول من يغتاله ويدوس عليه بالنعال! السادة الذين ادعوا يوما أنهم سدنة القانون والمدافعون عن القضاء هم الذين يسروا طعن القضاء والقانون، ويبدو أن للسلطة بريقاً يصيب العيون بالعمى والقلوب أيضاً. السلطة والاقتراب من الحكام الجدد هى التى دفعت قدامى المدافعين عن القضاء ليكونوا هم رأس السهم الذى يطعنون به حصن المصريين الأخير.

فى عام ٢٠٠٦ سمعنا دفاعا مستميتا عن نوادى القضاة وأهمية دورها فى المجتمع، وسمعنا حديثاً عن القضاة، روح الأمة وحصنها، وشهدنا استنكارا لمحاولات إبعاد القضاة عن الحياة السياسية، كان من يدعو إلى ذلك مجموعة من شيوخ القضاة وشبابه، وعاشت مصر فى هذه المرحلة جدلا كبيرا أظنه أسس لإحساس المصريين بعدم الاستغناء عن ذلك الحضور.

 ما يدمى هو أن من بين هؤلاء الذين ادعوا الدفاع عن استقلال القضاء واستقلاله عن السلطة التنفيذية فى ذلك الوقت أولئك الذين يعملون اليوم على تقزيم مؤسسة القضاء، وتحويلها إلى أداة طيعة فى يد من يحكم الآن من الاتحادية أو المقطم، وشارك هؤلاء فى تحويل وظيفة محامى الشعب إلى عدو الشعب، وأيدوا وهللوا لإعلان من يرأس البلاد بأنه يهدف إلى منع القضاة من العمل بالسياسة، وأن «شغلتهم أن يحكموا بما أمامهم من قوانين»، وأظنه أضاف فى سره: «وهمه ساكتين»، لم ينتفض هؤلاء كما ادعوا الانتفاض من قبل عام ٢٠٠٦، بل كان لسان حالهم يقول: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم».

مارس النظام الحاكم -عفوا، الجماعة الحاكمة- كل أشكال العناد ضد الشعب وضد جموع القضاة، ووجدت الجماعة أن تابعيها داخل مؤسسة القضاء على استعداد دائم لأن يعلوا كلمة أولى الأمر على رغبة أغلبية القضاة، ورغم أنف الشعب، وتجاوز بعضهم إلى حد خداع الناس بتصوير القبيح جميلا فى الدستور المشوه، الذى يتم دفعه بأى ثمن إلى النور كحقيقة واقعة علينا أن نتعامل معها، كل ذلك بأيدى رجال كان المتوقع منهم أن يكونوا أمناء نحو ما التزموا به تجاه مجتمعهم ووطنهم. وكانت المهزلة الثانية عندما تحدى «قضاة السلطان» رغبة غالبية القضاة، وأصروا على الإشراف على مهزلة الاستفتاء بمن حضر من القضاة.

وقد شهدنا ما شهدنا حتى الآن من تجاوزات فى الاستفتاء، والسؤال الآن لأولئك الذين نسوا مواقفهم السابقة: ألا يُذَكركم هذا بما حدث عقب انتخابات ٢٠٠٥ وصدرت وقتها القائمة السوداء للقضاة المتورطين فى تجاوزات الانتخابات البرلمانية وقتها؟ ما أشبه الليلة بالبارحة، مع فارق أساسى، أن بعضا ممن ادعوا وقتها أنهم محاربون من أجل استقلال القضاء قد باعوا راية النضال واستبدلوها بطاعة أولى الأمر الذين أصبحوا منهم، ولنا الله.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s