هل تسير مصر على طريق إيران؟

بقلم   عبداللطيف المناوى

فى إحدى القاعات الصغيرة فى مبنى مجلس اللوردات البريطانى جلست مجموعة من المثقفين والسياسيين المصريين والبريطانيين يتناقشون حول الأحداث فى مصر. السمة المشتركة بين المصريين المشاركين أنهم جميعاً تقريباً ينتمون – أو يحسبون أنفسهم – إلى التيار الليبرالى، الجميع قلق على مستقبل الدولة فى مصر بعد أن تمكنت أكبر وأقدمجماعات الإسلام السياسى «الإخوان المسلمين» من اقتناص منصب رئيس الجمهورية.

وانقسم المصريون الحاضرون إلى قسمين، أحدهما يرى أنه ينبغى إعطاء الرئيس الجديد وجماعته فرصة، وأن يبدأ الليبراليون التعاون معه، خاصة أنه لم تتح للجماعة مثل هذه الفرصة من قبل، والقسم الآخر يعتقد أن حكم الإسلام السياسى يعنى نهاية الدولة المدنية، بينما النقاش محتدم طلب أحد الإيرانيين الذين يعيشون فى بريطانيا منذ عمر الثورة الإيرانية ١٩٧٩ الكلمة. وأشار الرجل بيده إلى الغرفة المجاورة قائلاً إنه دار بها نقاش كان هو أحد المشاركين فيه، وكأنه النقاش الدائر اليوم، الفارق الوحيد أنه كان يدور منذ أكثر من ثلاثين سنة بين بعض الإيرانيين وكان «الخمينى» عائداً لتوه إلى إيران، واعتقد كثير من الليبراليين أن التعاون مع قوى رجال الدين ممكن. وأضاف الرجل أن الحوار كان يتطابق مع الحوار الدائر اليوم، وتساءل: «انظروا الآن أين نحن؟ بل أين إيران؟».

يبدو أن الرئيس مرسى بإعلانه الدستورى الجديد، الذى يعطيه سيطرة كاملة على مؤسسات الدولة ويغلق جميع الأبواب فى وجه المعارضة، أعطى نفسه من خلاله سلطة لم يحظ بها حاكم لمصر منذ عهد الفراعنة. تمنى المصريون أن يستخدم الرئيس مرسى سلطاته لرأب الصدع الذى أصاب الأمة بعد أن أدت أحداث ٢٥ يناير إلى تنحى مبارك السنة الماضية. أول تصريحاته أكد أنه رئيس لكل المصريين، كل مواطن، وكل مجموعة، إلا أن ممارساته فى الأشهر الأولى من حكمه، التى تردد كثيراً أنها تنفيذ لقرارات مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين، أتت عكس ما كان مأمولاً منه، وبينما هو يعمل لتدعيم سلطاته عمق الانقسام داخل المجتمع، ويظهر ذلك فيما اصطلح على تسميته «أخونة الدولة»، كإجراءات تغيير كل رؤساء تحرير الصحف، الذين استبدل بالعديد منهم أعضاء من الإخوان أو حلفائهم.

أما ما يحدث فى لجنة صياغة الدستور فإن رد الفعل المتمثل فى الانسحابات المتتالية لأعضائها من العلمانيين والليبراليين والمسيحيين تاركين إياها للإسلاميين – هذه اللجنة حظيت الآن بحصانة منحها لها الرئيس بقراراته الأخيرة تضعها فوق المحاكم والقانون، حيث تمنع القضاء من الاقتراب منها، وتشكيلها منذ اللحظة الأولى محل رفض من معظم القوى السياسية غير المنتمية لتيار الإسلام السياسى لأن هذه اللجنة يشكل معظمها أعضاء من تيار الإسلام السياسى الذين يتحكمون فى مسارها وصياغاتها، وإذا كانت قانونية هذه اللجنة محل شك فإن الأكيد أن تمثيلها لأطياف الشعب المصرى هو أكذوبة كبيرة، خاصة مع انسحاب معظم الليبراليين وكل ممثلى المسيحيين المصريين وكنائسهم منها.

استغلال الأزمات لتحقيق الأهداف هو أحد السلوكيات المعروفة عن الإخوان. وفيما يبدو فإن النجاح المصرى فى تحقيق الهدنة فى غزة سطع فيه نجم الرئيس المصرى دولياً، وقد استغل هو هذا الوهج لإصدار قرارات تؤسس ديكتاتورية جديدة لكن أشد وأقوى مما سبقتها، هو يملك الآن سلطات غير محدودة وتحول دون أى طعن قانونى فى قراراته لحين انتخاب برلمان جديد لا يعلم إلا الله متى. كما تجيز التعديلات للرئيس إصدار أى قرارات أو اتخاذ أى إجراءات يراها ضرورية «لمواجهة خطر يهدد الثورة أو سلامة الوطن». وتبع ذلك بإصدار قانون اسمه «قانون حماية الثورة» من شأنه أن يمنح النائب العام الجديد، الذى عينه حديثاً، صلاحية حبس الأشخاص لفترة تصل إلى ستة أشهر بدعوى «حماية الثورة». كذلك تمنع القضاء من حل الجمعية التأسيسية ومجلس الشورى، وكان من المقرر أن تصدر المحكمة الدستورية العليا فى مصر حكمها بشأن تشكيل الجمعية التأسيسية ومجلس الشورى فى مطلع ديسمبر ٢٠١٢، وكان الكثيرون يتوقعون أن تقضى المحكمة بحلهما كما فعلت مع مجلس الشعب فى يونيو ٢٠١٢.

وصفت منظمة العفو الدولية هذه الإجراءات بأن السلطات الجديدة تقوِّض بها حكم القانون، وتنذر بمرحلة جديدة من القمع، وقد أشارت إلى أنه لابد من احترام المبدأ المتمثل فى أنه لا أحد فوق القانون، بمن فى ذلك الرئيس نفسه، وطالبته بإلغاء التعديلات الأخيرة التى تمنح قراراته حصانةً من الطعن أمام القضاء.

عندما وقف الرئيس مرسى أمام مؤيديه الذين حشدتهم جماعة الإخوان المسلمين أمام قصر الرئاسة ليؤكد لهم فيما يشبه القسم: «أؤكد أننى لا أستخدم التشريع ضد أحد أو لتصفية حسابات ضد أحد، ولكن حينما أرى أن الوطن يتعرض لسوء من خلال النظام السابق فسوف أفعل»، وعندما يقول «اطمئنوا فلن أظلم أحداً»، عندما قال ذلك لم يصدقه كثيرون. فى شوارع القاهرة والإسكندرية وباقى مصر لم يعد الناس يصدقون كلام الإخوان فهم لم يلتزموا بما قالوا منذ انتفاضة ٢٥ يناير وحتى اليوم. التبريرات التى يسوقها أنصار الرئيس مرسى هى ذاتها التبريرات واللغة التى كان يستخدمها النظام السابق، وهى أن الظروف الاستثنائية تتطلب إجراءات استثنائية. أو بمعنى آخر فإنهم يقولون إن مرسى سوف يلعب دور الديكتاتور بشكل مؤقت من أجل «المصلحة العليا للوطن»، ولكن إلى أى مدى يبقى الموقف السياسى مهدداً للمصلحة العليا للوطن.. هذا يتم تحديده كما تراه جماعة الإخوان الحاكمة.

قبل أن يعود الخمينى من باريس إلى طهران مباشرة بعد سقوط الشاه صرح قائلاً: «إن رجال الدين لا يرغبون فى الحكم» حقاً!!

Advertisements

3 تعليقات على “هل تسير مصر على طريق إيران؟

  1. ما أشبه الليلة بالبارحة .. التاريخ يعيد نفسه و هاهى قصة ايران تتكرر فى مصر و كأننا لا نتعم من أخطاء الماضى و خطايا الآخرين و علينا اذا أن نتحمل غفلتنا و تعامينا عن الحقائق و ليرحمنا الله

  2. الشعب أغلبه يريد دولة أسلاميه (بعكس مايروج له دائما و قد أثبتت نسب التصويت الانتخابيه كمصدر نظيف موثوق به في الأستطلاع بأن التأييد الشعبي للتيار الأسلامي السياسي تتراوح حول الرقم 70%) و الدولة الأسلمية المنتظرة في الغالب ستكون نسيجا مختلفا عن نموذج أيران التي يحكمها نظام بطريركي أشبه بالكاثوليكيه المسيحيه وهذا يختلف كثيرا عن الأسلام السني و المتنافر مع فكرة ولاية الفقيه (بحذافيرها) و في الحالة المصريه إذا قامت لها دولة أسلاميه ستكون مغايرة كذلك للنموذج الوهابي و سيتأكد ذلك مع أكتساب هذه الوله نجاحات و أستقلال و أنتصارات على الأرض فالنموذج الوهابي نجح لأنه تم أضعاف النموذج المصري من خلال انظمة القمع و الملاحقه و أن كان الغرب يجعل عداءه للأسلام و الأسلاميين يتجاهل الفروق و مهما ادعى غير ذلك فهو في النهاية يضعهم في سلة واحدة أو يضع فروق باهته.

    ** الخطأ الأكبر في فهم ما يحدث أن يتم النظر إليه و كأنه وليد الثورة فقط فالصراع هو ما بين حلم أنشاء الدوله الأسلاميه (التي هي أمتداد لدولة الخلافه) مع الدوله المدنيه (في الحقيقه لم تكن إلا دول بوليسيه باطشه وأمتداد للأستعمار في معظم البلاد و مصر منهم) التي أثبتت فشلها بشدة ولكن يتمسك بها طبقة أجتماعيه لديها من المصالح و الأرتباط الثقافي و التعليمي مع الغرب ما يجعلها عندما تخطط لدوله جديدة تستلهم نموذج غير شعبي تماما ولكنها تجادل بأن الشعب جاهل (أنظر مثلا البرادعي و حتى صباحي ذا الاصل البسيط الشعبي ومع ذلك لايمكن ان يعتبرهم المواطن المصري حتى من الطبقه الوسطى معبرين عنه(بنت حمدين مطربة أوبرا و ابنه مخرج و هذه المهن بما تمثله من توجه فكري تعتبر نابيه عن النوجه الشعبي) و في الحقيقه البعد يزداد من طرفهم أيضا و ليس من الشعب فقط و يبدو ظهورهم النادر في صلاة الجمعه مثلا أشبه ب(المجامله الأجتماعيه) أكثر من أن كون تعبيرا عن التلاحم مع ما يؤمن به الشعب

    ** الخطأ الثاني هو الوقع في أسر الدعايه أثناء التحليلات و من أهم هذه الأوهام هو التأكيد على الأخوان بوصفهم هم فقط أصحاب المشروع الأسلامي و بالتحديد هم فقط (أعضاء و أنصار) و عددهم يمكن تحييده و قمعه و هذا خطأ شائع لأن التيار الأسلامي له طبقات و في الحقيقة و على غير مايذهب إليه التحليل السطحي فأن تيار الأخوان هو الأضعف في هذه الطبقات لأن تحته طبقات من السلفيه و تحتها سلفيه جهاديه فكلما توغلت وجدت صلابه أكثر و راديكالية أكثر و أكثر شعبيه و أن كان أقل ظهورا سياسيا و عند ضرب الأخوان سيلجأ الجميع للطبقة الأشد .
    و من أخطاء الدعاية كذلك النظر إلى قرارات مرسي في الاعلان الدستوري و فهمها بمعزل عن مؤامرات القوى التي تستغل أدواتها (مثل المحكمة الدستوريه) و في سلطات مصر المختلفه في أسقاط الأخوان أولا و الثورة ثانيا . فيتم فهم فرارات مرسي بوصفها ديكتاتوريه تجد طريقها مع أن طريقها هو نتائج خطط المحكمة الدستوريه و المجلس العسكري الفاشله و التي أربكت مصر و مرسي أستوفى الشكل القانوني المتاح له و الذي لم يصنعه بنفسه بل أستغل وجوده ولم يخطط للحصول عليه هو شخصيا و الاخوان يميلون للتدرج و عدم الصدام و هذا ما حاول فعله في محالوته ارجاع مجلس الشعب او في محاولته اقالة النائب العام بشكل يحفظ ماء الوجه و يمنع الصدام و في الحالتين لم يسمح له (كهنة آمون) بالحصول على ما يريد و دفعوه لعنف في قراراته و ما تفعله القوى المضاده له حاليا (التجمع المتنافر من ثوريين و ليبراليين و مسيحيين و فلول نظام سابق …الخ) يمهد لتفجير على المستوى الشعبي لا يمكن رأبه و لا التحكم فيه حيث ستظهر قوى شديدة البأس من القواعد الشعبيه لا يمكن التفاوض معها او اللعب معها كما يمكن الآن مع الأخوان و السلفيين بدرجة أقل صحيح هذه القوى غير مضمون ان تنتصر و لكن مضمون اكثر لها ان تمنع الرجوع لأي شكل قديم من التوازن الداخلي الدولي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s