من دروس العدوان على غزة

بقلم   عبداللطيف المناوى

كشف العدوان الإسرائيلى على غزة حدود قدرات النظام فى مصر فى التعامل مع مثل هذه الحالات، وأوضح أن أقصى ما يمكن عمله كرد فعل هو ما حدث بالفعل، وهذا ليس انتقاداً ولكنه إقرار لواقع حاولت أبواق الجماعة الحاكمة قبل وأثناء العدوان أن تبيعه لنا، كأنه يختلف عن الحقيقة. وهذا الموقف نابع من إحساس الجماعة بأنها وقعت بين شقى الرحى- كما سبق أن ذكرت- حلفائها من الإسلاميين داخليا وخارجيا وحلفائها من القوى الغربية التى ساهمت فى تمكينهم من السلطة. لم يجد النظام أقوى من أن يسحب السفير المصرى من تل أبيب، وهو ذات الإجراء الذى سبق أن اتخذه النظام السابق فى موقف مشابه، وأعلن إدانته للعدوان ودعمه للفلسطينيين فى غزة، وهو أيضاً ما كان يحدث دائماً، كذلك فُتحت المعابر والمستشفيات المصرية وزار مسؤولون غزة لساعات، تماماً كما كان يحدث من قبل.

أما الاتصالات التى تلقاها رئيس الدولة من الرئيس الأمريكى وعدد من قيادات الدول الغربية، وهى الاتصالات التى حرص إعلامهم- أى الجماعة- على إبرازها تماماً كما كان يفعل النظام السابق، فقد كانت اتصالات تقريباً ذات اتجاه واحد، مفادها- كما ذكرت وسائل إعلام الغرب- أنه على القيادة المصرية أن تمارس ضغطاً على حماس من أجل وقف إطلاق الصواريخ. هذه كانت الرسالة و«التكليف» من قيادات الدول الغربية الحليفة لقيادة النظام الجديد فى مصر. أنا هنا فقط ألقى الضوء على حقيقة أن حدود التحرك المصرى فى موضوع غزة كان ومازال وسيظل فى ظل المعطيات الحالية، هذا ما حدث بالفعل، وأن أى اتجار ومزايدة من قبل أبواق الجماعة عن قدرات مختلفة هو من قبيل المزايدة وقنابل الضجيج، المقصود منها إخفاء الواقع. أيضا ثبت أن محددات الحركة المصرية تحكمها اعتبارات عديدة لا تملك رغبات أو نزعات عقيدية أن تغيرها على أرض الواقع، وهذا درس أظنه بات واضحاً لهم.

الأمر الآخر المهم والذى كشفت عنه الاعتداءات الإسرائيلية هو التأكيد على أن الأمن القومى المصرى لا ينبغى أن يكون لعبة فى أيدى عابثين، أو أن تتحكم فيها قناعات جماعة أو اعتقادات واعتبارات فوق وطنية، وثبت من توجهات الرأى العام أن التفكير فى المساس بقطعة أرض، ولو صغرت من التراب المصرى، هو «خط أحمر» أيا ما كانت الاعتبارات.

فمن الواضح أن العدوان الإسرائيلى قد كشف على السطح ملامح المخطط أو الفكرة أو الحلم المشترك بين أطراف متعددة بينها إسرائيل، لتنفيذ خطة تبادل الأراضى بامتداد قطاع غزة على جزء من أرض سيناء، وسواء كان هذا حقيقة أو سراباً، فإن العدوان قد وضع هذه المخاطر تحت دائرة الضوء، ووصل الأمر بالبعض الى التخوف بل والتشكك فى أن هذا العدوان ما هو إلا وسيلة لتنفيذ هذا المخطط، وأن الاجتياح والهجوم البرى الإسرائيلى على غزة فى حال ما لو حدث فإنه سيكون من أجل دفع الفلسطينيين إلى سيناء، وهو الأمر الذى واكبته الشائعات عن إقامة معسكرات للاجئين الفلسطينيين فى سيناء، وهو الأمر الذى أثار ضجة حقيقية. سواء كان ما ذكرت فى إطار الشائعات والتخوفات غير المنطقية وغير الحقيقية، أو كان يحمل فى طياته بعض الحقيقة، فإن الأكيد أن هذه الحالة قد كشفت بما لا يجعل مجالاً للشك الموقف الشعبى المصرى الواضح والقوى من رفض هذا المشروع، بل والاستعداد لمقاومته بأى شكل، وبالتالى يجب أن يكون هذا واضحاً فى الحسبان دائما أمام متخذى القرار.

نلاحظ منذ فترة أن العلاقة المصرية بالقضية الفلسطينية وأطرافها قد أصابها الخلل، بعد أن كانت مصر وسيطا بين الطرفين الفلسطينيين حماس وفتح، حتى لو كان الميل أكثر نسبيا لفتح، ولكن الإدارة المصرية لذلك الملف المهم ظلت تحرص على التوازن والدفع للأمام والحفاظ على علاقة متوازنة بين الطرفين، وكان الإطار الحاكم لهذا التحرك هو الأمن القومى المصرى، دون إغفال لمصلحة الفلسطينيين، وأظن أنه لم يكن هناك تناقض فى الرؤية بين الأمن القومى المصرى والمصلحة الفلسطينية وقتها. لاحظنا- كما قلت- أن الموقف المصرى تبدل تماما بعد وصول الجماعة إلى الحكم، وبدا الأمر وكأن مصر باتت امتدادا لغزة، ولم نعد نعلم أين تقيم قيادات حماس، فى غزة أم فى القاهرة؟ أما الرئيس أبومازن فبات كالضيف غير المرغوب فيه يأتى خلسة- إن أتى- ويخرج دون أن نعلم. وفيما يبدو أن رئاسة الجماعة قررت أن تتولى بنفسها الملف الفلسطينى وتسحبه ممن قادوا العمل فى هذا الملف لعقود طويلة، وبدا هذا واضحا فى طبيعة المواقف والتصريحات السياسية لكلا الطرفين المصرى والفلسطينى.

ولكن يبدو أيضا أن العدوان الإسرائيلى هلى غزة قد أثبت أنه ليس هناك طرف قادر على إدارة هذا الملف إلا أولئك الذين أداروه لعقود، وباقتدار فى إطار الظروف، وفى إطار الأمن القومى المصرى، وأن الوصول لحل لهذا الوضع الشائك لن يكون إلا بإعادة إدارة هذا الملف لمن يعرفونه. ليس هناك ما هو فوق الوطن، وليس هناك ما هو أهم من الحفاظ على الأمن القومى المصرى. هذا درس من دروس العدوان على غزة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s