التجارة بالدماء ما بين غزة ومنفلوط

بقلم   عبداللطيف المناوى

الحزن والغضب يسيطران علىَّ فلا أدرى كيف أعبر

لن أكتب عن العدوان الإسرائيلى على غزة، ولن أتحدث عن التخوف من استغلال التطورات لتمرير مواقف سياسية أو حلول فى الأدراج كامنة لعقود تنتظر الوقت والجماعة المناسبة لتحقيقها على حساب الوطن، ولن أعلق على مراهقى السياسة الجدد من بعض المسؤولين وأشباههم، الذين يستغلون التعاطف الشعبى مع أهالى غزة ليحققوا مكاسب سياسية بتصريحات عن قوة النظام «الرهيبة»، التى تمكنت من اتخاذ إجراءات لم تخرج عن حدود الممكن سياسيا منذ عقود، وهم بتصريحاتهم يطلقون قنابل دخان صوتية تصرف النظر بدخانها وضجيجها الأجوف عن أزمتهم الحقيقية بوضعهم بين شقى الرحى، بين حلفاء العقيدة من جماعات الإسلام السياسى والجماعات الجهادية وبين حلفاء الخارج من قوى الغرب التى مكنتهم من السيطرة.

لن أتحدث عن كل ذلك الآن رغم أهميته، ولكنى سوف أتحدث عن أطفالنا ضحايا الإهمال طويل الزمن والانشغال الغارق فيه مسؤولونا عن مصالح الوطن واحتياجات مواطنيه

مزيج من الغضب الشديد والحزن المرّ هو ما انتابنى عندما صدمنى خبر قتل أطفالنا على شريط السكة الحديد فى منفلوط، الدموع وحدها لن تكون كافية للتعبير عن الألم الذى يعتصر الروح والنفس لتخيل أو مشاهدة أشلاء هؤلاء الأطفال الذين كانوا ينتظرون مستقبلا أفضل ظل يردده من يديرون البلاد، وبدلا من استقبال هذ المستقبل القادم استقبلوا بأجسادهم الصغيرة القطار القادم يقوده العمى والعنف، فتسيل الدماء على القضبان وتتلون كراساتهم بلون الدم القانى بدلا من علامات الإجادة.

لا مجال هنا للحديث عن حزن الرجال والنساء، فأمام دماء الأطفال ينهار الفارق ويبقى الحزن إنسانيا. لم أتمالك نفسى عندما قرأت عن تلك الأم التى فقدت أبناءها الثلاثة وكان عويلها وصراخها أنها لم تطعمهم إفطارهم قبل أن يرحلوا دون عودة، أسر فقدت كل أحلامها فى المستقبل عندما فقدوا أطفالهم فى حادث قتل لأحلامهم ومستقبل أطفالهم.

أتعاطف مع ما يحدث فى غزة، ولكنى أفهم أغراض النظام الحاكم فى دعم حماس وأزمته الراهنة، وأتابع ذلك الصوت الجهورى الذى اعتادوه فى التأكيد على دعمهم اللامحدود لإخوانهم وأهلهم وعشيرتهم، فقط أشير هنا إلى أن ضحايا العدوان الإسرائيلى على غزة – الذى أدينه بلا تحفظ – وصل حتى كتابة هذا المقال إلى أربعين فلسطينيا، بينهم أطفال، ونحن فقدنا أكثر من خمسين طفلا فى حادث واحد فقط، ولم يكن الصوت جهوريا فى التعامل مع ما حدث كما هو جهورى فيما يتعلق بحماس، بل الأكثر من ذلك وما يزيد من حجم الغضب أن يخرج بعض مراهقى السياسة ليتاجروا بدماء الأطفال، ليروجوا لديمقراطيتهم التى دفعت وزيراً للاستقالة بدلا من الإقالة، فكما يقولون أثبت حادث القطار كيف هم ديمقراطيون فوزيرهم استقال إثباتاً لسلوكهم الديمقراطى، وكأننا كنا فى حاجة إلى دماء خمسين طفلاً ليؤكدوا لنا ديمقراطيتهم التى فشلوا فى إثباتها فى أى مجال آخر إلا على جثث الأطفال.

وهذا إن عبر عن شىء فإنما يعبر عن جَليطة سياسية وفقدان للحس الإنسانى الطبيعى. وبالطبع فإن شماعة الفشل الثابت فى الإدارة هى إلقاء المسؤولية على النظام السابق «المجرم»، كما يحب مرشحهم الذى أصبح رئيسا أن يطلق على النظام السابق، ولا أدرى ماذا نطلق نحن على المتنصلين من مسؤوليتهم ومن يثبتون فشلا يوميا فى الإدارة.

أعلم أن العديد منا يعتقد أن مصر تمر بمرحلة من أسوأ مراحلها، والبعض الآخر يعتقد أن نحساً قد سيطر وسكن الأجواء، يدفع الوطن والمواطنين تبعة العيش فى ظله، ولكننى أعتقد أننا نعيش مرحلة فشل واضحة، لا فى إدارة الدولة فحسب بل فى القدرة على جمع شتاتها وتوحيدها للحركة، نحن فى ظل نظام اختار وحدد من البداية من هم أهله وعشيرته الذين يعمل من أجلهم ويؤكد يومياً فى سلوك واضح، اتجاهه نحو تطهير عرقى سياسى يحكمه مبدأ «من ليس معنا فهو علينا»، ولأنهم منشغلون فى تطبيق مخططهم فى التمكين فإن أحوال الناس هى الشاغل الأخير، ولا بأس من استغلال الدماء البريئة من أجل تحقيق انتصارات محدودة الأفق قليلة الإحساس.

عاد رئيس الحكومة من غزة يحمل على يديه آثار دماء طفل فلسطينى قُتل أثناء العدوان الإسرائيلى، وحرص على أن تظهر صورته وهو يحمل الجثة المخضبة بالدماء فى كل وسائل الإعلام، أسأله هو ومن أتوا به: ومن يحمل فى يديه ورقبته دماء الأطفال الخمسين؟

رحمهم الله

Advertisements

One comment on “التجارة بالدماء ما بين غزة ومنفلوط

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s