القوى المدنية والإصرار على الخطأ

بقلم عبداللطيف المناوى
لم يكن بإمكان جماعة «الإخوان المسلمون» أن تصل إلى السلطة إلا بمساعدة القوى المدنية، لا أقصد مساعدتها المباشرة، والتصويت لها فقط، كما فعلت بعض القوى، وإنما أيضا حالة التفرق والتشرذم، حتى فى حالة الاتفاق على أخطاء الجماعة، فإن حالة التشرذم مستمرة.

لم يكن هذا هو الخطأ الوحيد، فالقوى المدنية أهدرت الفرصة التى منحها المجلس العسكرى للأطراف المتصارعة لإدارة البلاد، عندما أعلن رغبته فى الخروج من اللعبة السياسية إبان الفترة الانتقالية، وفرطت فى الجيش، الذى دخل الساحة السياسية مرغما، عندما انحاز للشرعية الشعبية، وأعلن رفضه إطلاق الرصاص على المتظاهرين حتى لو دخلوا قصر الرئاسة، وكان يبحث عمن يقف إلى جانبه، ويمكن أن نصفه بأنه كان يعانى من «رومانسية سياسية»، وكان يتوقع أن كل القوى المدنية ستلتف حوله،

لكنه فوجئ بعشرات الأحزاب، وأكثر من ٣٠٠ ائتلاف شبابى، كل منها يبحث عن الزعامة، ويقول إن الثورة تخصه وحده، ولا يريد أن يستمع إلى الآخر، وفى ظل هذا التفتت والتشرذم والاقتتال، كان الإخوان ببراجماتيتهم جاهزين للقفز، وركوب الثورة، وإقناع المجلس العسكرى بأنهم سيدعمونه إذا احتاج إلى دعم شعبى أو مظاهرات مؤيدة، وأنهم الأكثر تنظيما والأجدر بإدارة البلاد.

القوى المدنية التى تجمعت فى ميدان التحرير من بعد يوم ٢٨ يناير، استمرت حتى يوم ١١ فبراير ٢٠١١، دون أن تتفق على قائد واحد، واعتبروا أن هذا شىء جيد حتى لا يخطف أحد انتفاضة الشعب، لكن الأيام كشفت أن الإخوان كانوا جاهزين بالتنظيم وبكوادرهم، وهو ما حدث بالفعل.

خطأ القوى المدنية فى عدم التوحد خلف فصيل واحد أو قائد واحد، أضر بالمكتسبات التى خرجت بها هذه القوى بعد ١١ فبراير، فحتى الثورات التى تحولت إلى دموية، مثل الثورة الفرنسية، انطلقت من مبادئ واضحة وأهداف تسعى إلى تحقيقها، وتوحدت خلف قادة محددين، كما أنها سبقتها حركة تنوير كبيرة، أما فى مصر فكانت هناك رغبة فى التغيير، دون صياغة ذلك بشكل واضح، وكنت قد كتبت عن ذلك عقب الانتخابات البرلمانية ٢٠١٠، وتحدثت عن ضرورة التغيير، وقلت إن التغيير هو فعل إما أن تقوده أو يقودك، هو كالحصان الجامح إما أن يجرك أو تروضه،

وإن قيادة الواقع مرتبطة بطرح مفهوم التغيير على أرض الواقع، وبالتالى استمرار الاستقرار فى المجتمعات الكبيرة، الاستقرار بمفهومه الأشمل، ونبهت إلى أن «استمرار التقدم إلى الأمام هو أن نقود نحن التغيير، ونروض هذا المفهوم بدلا من أن نجد أنفسنا مجرورين خلف مفهوم التغيير الذى إذا تحسسنا منه فإنه سيكون هو من يقود وليس نحن من يقوده».

لكن المشكلة الحقيقية أن من توقف عن السمع هذه المرة ليس الجماعة الحاكمة فحسب، بل القوى المدنية، التى يمكن أن نطلق عليها القوى المعارضة، فهى ما زالت تصر على نفس الخطأ الذى ارتكبته يوم ١١ فبراير ٢٠١١، والخطأ الذى ارتكبته فيما بعد فى الانتخابات البرلمانية التى جرت أواخر عام ٢٠١١، ثم الخطأ الأكبر الذى ارتكبته فى الانتخابات الرئاسية التى جرت منتصف العام الجارى، حيث تفتتت وتشرذمت وتفرقت، ويبدو أنها ما زالت مصرة على هذا التفتت والتشرذم والتفرق، دون أن تتعلم الدرس، ودون أن تعى أن ذلك يعطى الفرصة الأكبر للجماعة الحاكمة لتثبيت أقدامها أكثر فى حكم البلاد.

مصر مقبلة على حدث كبير، إذا أصر الإخوان والسلفيون على تمرير الدستور بشكله الحالى المعادى للحريات، والمنحاز لدولة دينية على حساب المدنية، فإن الاستفتاء القادم هو التحدى الحقيقى أمام القوى المدنية فى حشد كل طاقاتها وتوحيد صفوفها من أجل رفض هذا الدستور، ورفض تمريره.

النقاش المجتمعى، ومحاولات عقد لقاءات مع بعض قادة الأحزاب المعارضة، ليس إلا صيغة أخرى لإقناع المواطنين بأن هناك موافقة عامة على هذا الدستور، رغم أن هذا يخالف الحقيقة، وعلى القوى المدنية إدراك أن مصير دستور مصر القادم، ليس فى يد الحزب الحاكم، بل فى يدها هى، فقط إذا توحدت.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s