الأنبا تواضروس والدولة المدنية

بقلم   عبداللطيف المناوى

كنت من المنادين دائما بفصل الدين عن ممارسة الفعل السياسى، ومن هذا المنطلق رأيت دائما أن أحد دلائل ضعف الدولة فيما مضى هو ذلك الفعل الذى تقوم به المؤسسات الدينية بأشكالها المختلفة من تدخل سياسى، ومحاولة لملء الفراغ السياسى الذى كان ينبغى ملؤه، لأنه لا توجد قوى سياسية حقيقية على الأرض تقوم بذلك الدور.

تخلت الدولة فيما مضى لعشرات السنين عن الادوار الأساسية لها ، فتركت الفرصة لتضخم القوى الدينية ومؤسساتها، وهذا يفسر القوة التى اكتسبتها جماعات الإسلام السياسى والجماعات الدينية، وكذلك التزايد الواضح فى دور الكنيسة فى الحياة المصرية.

كان أحد ملامح الصورة فيما مضى هو ذلك التراجع لحضور من اصطلح على تسميتهم بالعلمانيين الأقباط أو من يجب أن يطلق عليهم «الداعون للدولة المدنية من المصريين الأقباط»، فانزوى بعضهم، وانضم البعض الآخر تحت لواء الكنيسة، وظلت الكنيسة هى لسان حال الأقباط المصريين ودخلت فى مساجلات على حساب ضعف الدولة وتراجع دور المدنيين من الأقباط، ومما لاشك فيه أن حضور شخصية البابا شنودة كان له تأثيره الكبير بما له من ملامح شخصية مؤثرة.

الآن تولى الأنبا تواضروس الثانى لواء الكنيسة، وسوف يكون من الصعب دعوته إلى الانسحاب من الحياة العامة بعد أن تغيرت ملامح الدولة فى مصر، وبعد أن أصبحت قوى الإسلام السياسى، أو القوى الدينية السياسية هى المسيطرة على الساحة ولن أفعل كما فعل أحد أعضاء الإخوان بدعوة الأنبا تواضروس لتأييد ودعم تطبيق الشريعة الإسلامية، ولكنى سأطلب منه – ليس انسحابا من الحياة السياسية – ولكن دعما للإخوة المصريين الأقباط للمشاركة بفاعلية فى الحياة السياسية والحياة العامة وسيكون الفعل فعلاً مصرياً مدنياً من أجل تأصيل دعائم الدولة المدنية.

نحن الآن أمام دور جديد للكنيسة مع اعتلاء الأنبا تواضروس إلى سدة الكرسى البابوى من جهة، وصعود التيارات الإسلامية إلى سدة الحكم فى البلد من جهة أخرى، ودخول البلاد إلى ما يشبه المواجهة الدينية، لذا بإمكان الأنبا تواضروس أن ينحاز إلى مدنية الدولة أو أن يحول الأمر إلى صراع بين مؤسستى الكنيسة من جهة والسلفيين والقوى المتشددة من جهة أخرى.

أدرك أن المشكلة هنا ليست فى الأنبا تواضروس، لكنه يبدو فى نفس الوقت فى مهمة وطنية، وهى حماية مدنية هذه الدولة، وحماية الدولة من الدخول فى صراع دينى، لا يعرف أحد إلى أين سيقودنا لو اشتعل، لذا فعليه أن يحذر من الانجرار إلى معارك جانبية مع بعض القوى التى تريد إشعال النار ليس أكثر، وإدراك أن الكنيسة جزء من جسد الدولة، وظلت هذه العلاقة بين الكنيسة والدولة قائمة على التوازن منذ بداية عمر الكنيسة المصرية من نحو ٢٠٠٠ عام، وكانت هذه العلاقة مستقرة فى معظم العصور، ولم تكن يوما الكنيسة، ولا يجب أن تساق إلى ذلك، جزءا فى صراع مع جزء آخر من هذه الدولة.

أقباط مصر ليسوا فى حاجة إلى زعيم سياسى يأتى من الكنيسة، لكنهم فى حاجة إلى أب روحانى، للكنيسة دور أكبر من الدور السياسى، وهو الدور الروحانى، والمجتمعى للكنيسة، كما أن على البابا دوراً فى إصلاح الشأن الكنسى الداخلى، فهناك ملف زواج الأقباط الثانى، وهناك لائحة ٥٧ لاختيار البابا التى يجب تغييرها تماماً بما يتوافق مع المتغيرات التى حدثت داخل الكنيسة وخارجها، وهناك ملف ٣٨، فضلا عن أهمية إعادة دور العلمانيين فى الكنيسة بتطوير المجالس المسماة خطأ بالملية، ودورها الكنسى.

من جهة أخرى على الأحزاب المدنية أن تقوم بدورها الحقيقى، وعدم الانزواء وترك المواطنين يعودون للاحتماء بكنائسهم ومساجدهم لأنهم لم يجدوا مكانا آخر يفعلون فيه هذا.

الرسالة السابقة يمكن توجيهها أيضا إلى المؤسسة الإسلامية الرسمية فى مصر أيضا، وأعنى بها الأزهر، فبعيدا عن اللقاءات الرسمية فى بيت العائلة، وفى المنتديات العامة، فإن على هاتين المؤسستين، الكنيسة والأزهر، دوراً كبيراً فى الحفاظ على مدنية الدولة، من محاولة مستمرة ولا تتوقف لاختطاف الدولة وجرها إلى صراع دينى، لم يشهده المصريون من قبل، ولا يريدونه.

فإذا كانت هناك مؤسسات دينية تعبر عن الدولة فليكن الأزهر والكنيسة، وليس أحد آخر، لكن فى حدود دورهما الدينى فقط، دورهما التنويرى، ولتترك الأحزاب المدنية، والعلمانية لتلعب الدور السياسى، الذى كاد يختفى الآن خلف الرايات السوداء، التى ترفع باسم الدين، والدين منها برىء.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s