التحرش السياسى والمستقبل المجهول

بقلم عبداللطيف المناوى
فى مقال سابق تحدثت عن الأساليب المختلفة التى تتمكن بها الأنظمة التى اتخذت من الإسلام السياسى غطاء للسيطرة والحكم، ومن بين هذه الأساليب ما يوصف بأنه خلق لمناخ أزمة مستمر، للتمكن من الاستمرار فى القبض على مقاليد الحكم، وبالتالى فإن اعتماد أسلوب التحرش السياسى كأحد الأساليب المتبعة لتغطية العجز أو الفشل فى إدارة الدولة هو أحد أكثر الأساليب اتباعا فى مثل هذه الأحوال، وللأسف يبدو أن اللجوء إلى هذا الأسلوب قد بدأ مبكرا فى حالتنا، وأقول للأسف، لأن هذا الوضع هو آخر ما كنا نحتاجه فى ظل الوضع الاقتصادى الخطير الذى تعانى منه مصر، وتبعاته الاجتماعية والسياسية.

أى نظام كان سيتولى أمور مصر الفترة الماضية كان سيواجه حقيقة كبيرة ماثلة أمام من يفهم فى السياسة وإدارة البلاد أو لا يفهم، هذه الحقيقة تتكون من شقين: الأول أزمة اقتصادية كبيرة بدت ملامحها الأولى منذ البداية وتوقعات تأزمها وتعقدها بشكل أكبر واضحة، والشق الثانى هو ما بدا واضحا من حالة الانقسام والتمزق التى يعانى منها الوطن فى أعقاب الانتخابات. العقل والحكمة والوطنية تقول إن أى نظام كان سيتولى فى ظل هذه الظروف سيلجأ فورا إلى التعامل مع هاتين المشكلتين إذا أراد أن يحقق نجاحاً يصب فى صالح الوطن، لكن ما حدث كان عكس ذلك تماما، وللأسف – مرة أخرى – كان هذا هو المتوقع من قوى الإسلام السياسى عندما تتحكم، فهذا بالضبط ما حدث من قبل من أمثالهم فى بلاد أخرى.

بدلاً من مواجهة المشكلة الكبرى المتمثلة فى الأزمة الاقتصادية بالتعامل المباشر معها وفتح الباب أمام عقول الأمة وإمكانياتها للتعاون ومواجهة الخطر المقبل، انشغل أتباع وأعضاء القوة الحاكمة فى السعى نحو تحقيق الغنائم السريعة وخلق جماعة مصالح جديدة، وفقاً لأسلوبهم وفهمهم لمعنى الاقتصاد، وهو المعنى الذى اختصروه فى مفهوم التجارة وكيفية تحقيق الربح الشخصى السريع، ووجد هذا صدى واضحاً عند العديد من المنتفعين بأى نظام على مر العصور.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن تنظيمهم السياسى استغل الأزمة لتحقيق مكاسب حزبية ضيقة، مستفيداً من إمكانيات الدولة، وليست أزمة أنابيب البوتاجاز بعيدة عن الذاكرة عندما اشتكت قيادات وزارة البترول من أن أعضاء الحزب الحاكم يستولون على جهد العاملين بالدولة فى حل الأزمة، كى يظهروا هم بمظهر من يحل الأزمة. وبدلاً من أن يواجه النظام الجديد، الذى تمكن من تلابيب البلاد، الأزمة بالدراسة والبحث عن طرق للحل، تصرف كما يتصرف التلميذ «الخايب» الذى يتشاغل بصغائر الأمور بدلا من مواجهة الحقيقة بأنه يواجه امتحاناً، فيبحث عن أسباب واهية لتشغله ومعارك وهمية وأسباب يعلق عليها فشله، ويفعل أى شىء إلا مواجهة الاختبار والتحدى.

وبدلاً من خلق حالة من الاستقرار والثقة فى العلاقة مع المستثمرين المصريين والعرب والأجانب، بدأوا حرباً تخويفية لا تصب إلا فى مصلحة أتباعهم الذين أشرت إليهم فى البداية من أولئك الذين يستغلون الوضع القلق والمتوتر، لاصطياد وقنص الممكن من الأعمال والاستثمارات التى يسعى أصحابها إلى التخلص منها، فى ظل تلك الأجواء المتوترة.

وبدلا من خلق حالة ثقة مع دول الجوار والمجتمع الدولى دخلنا فى مناطق من عدم الثقة والتوتر، مما دفع تلك الدول إلى التحفظ فى القيام بأى دور يدفع الاقتصاد المنهار. وفى أسلوب وخطوة غير مفهومة وغير منطقية يخرج رئيس النظام ليتحدث عن فتح حساب «التطهر»، وهذه الفكرة رغم ما تحمله من ملامح كوميدية إلا أنها تحمل فى طياتها بذور الكراهية والصدام الاجتماعى بين أبناء الوطن دون أسباب حقيقية، وكأنه يرجع سبب الفشل الكبير فى إدارة الشأن الاقتصادى إلى من يطالبهم بالتطهر دون أن يضع ملامح واضحة لحل أزمة العلاقة بين كل الأطراف المتورطة برغبتها أو دون رغبتها فى هذه العملية «التطهرية».

أما الشق الآخر، الشق السياسى، فقد دخل النظام الجديد على أمة منقسمة، وبدلاً من أن يعمل على سد الفجوة، استغل الوضع لتأكيد حالة الانقسام، لينفرد بالسلطة ورأسها مقصياً ومعادياً كل الجماعات السياسية.

هذه الأجواء هى أجواء أزمة قد تساعد التيار الحاكم على الاستمرار فى مقاليد الحكم، حيث إن خلق الأزمات هو إكسير الحياة والاستمرار لمثل هذه الأنظمة، لكن الأكيد أن الوطن – كل الوطن – يتجه بهذه الإدارة الفاشلة إلى مستقبل مجهول.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s