المصاب متعدد الاتجاهات

بقلم   عبداللطيف المناوى

مصاب الوطن ليس فى جماعته الحاكمة فقط وأتباعها وممثليها فى المؤسسات المختلفة، وفى سياساتها الإقصائية الاستحواذية التى سوف تدفعنا إلى مناطق تاريخية مجهولة، بل إن المصاب أيضا فى نخبتها الثقافية والسياسية والاقتصادية. وسوف أبدأ مع النخبة الاقتصادية المتمثلة فى رجال الأعمال «أو معظمهم» الذين أثبتوا بالفعل مقولة إن «رأس المال جبان»، وهذه النخبة «الرأسمالية» غيرت دفة سفينتها بشكل كامل، وبعد أن كانوا منذ أعوام يُسبّحون بحمد النظام القائم ورموزه تحولوا خلال العامين الماضيين إلى ثوريين ومحاربين ضد الفساد، حتى كاد المرء وقتها يخلط بينهم وبين «جيفارا»، وما إن سيطرت الجماعة حتى انقلب أولئك إلى مؤسسين ومنظرين للاقتصاد الإسلامى، ووصل الأمر ببعضهم إلى حد اكتشاف جذور الانتماء العميقة داخله وداخل عائلته إلى الإخوان دون أن يدرى، واكتشاف آخر أنه عاش حياته وهو يخفى أن اسمه هو اسم قائد الجماعة، أو كما ادعى ظل يخفى هذه الحقيقة حتى لا يتعرض للاضطهاد من النظام السابق الذى كان هو أحد أكبر داعميه، ونسوا اصطفافهم من قبل لجمعية «المستقبل» وجمعيات رجال الأعمال التى كان يترأسها رموز النظام السابق من قبل. هذه التقلبات البهلوانية الساعية للمكسب الشخصى الضيق فقط على حساب المصلحة العامة، هى نموذج يدعو للإحباط ويدفع للمقاومة بين هذا السلوك والدور الحقيقى الذى قامت به الرأسمالية «الحقيقية» فى تشكيل وعى أمم ودفع مجتمعات إلى النهوض.

أما النخبة الثقافية والسياسية والإعلامية فحدّث عن بعض أفرادها ولا حرج، فقد شهدنا جميعاً على تلك الحالة من التحول والتقلب «والشقلبظات» البهلوانية، فقد شهدناها وكشفناهم طوال العامين الماضيين، ولن أقف أمام ذلك طويلا فقد قيل فيه ما لم يقله مالك فى الخمر، ولكنى هنا سأتوقف أمام الاكتشاف المتأخر جدا لبعض هؤلاء الذين وقفوا داعمين لتيار الإسلام السياسى للسيطرة والتحكم فى مقاليد البلاد، وعندما خرجوا من المولد «بلا حمص» اكتشفوا أن فصل الدين عن السياسة يمنع المتاجرة بالدين، وأنه من الخطأ إقحام الدين فى السياسة، ويعتذر آخر عن تأييده للجماعة ومرشحها وكأنه يكتشف بعد هذا العمر أنه من الخطأ وضع البلاد تحت سطوة جماعات الإسلام السياسى.. هذه الاكتشافات المتأخرة والمرتبطة بفقدانهم الشخصى لمكاسب شخصية هى جريمة فى حق هذا المجتمع مهما حاولوا تجميل أنفسهم.

أما الطامة الكبرى التى يعانيها هذا الوطن فهى فى ذلك التمزق والإضعاف المتبادل لقوى كان مفروضاً أن يجمعها هدف الحفاظ على مدنية الدولة، ففرقها التنازع على زعامة وهمية أو تصفية حسابات لثأر قديم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s