دستور حمال أوجه فى مسودة

بقلم   عبداللطيف المناوى

المسودة التى خرجت أخيرا للرأى العام من الدستور المصرى الذى صاحبته طنطنة كبيرة من المشاركين فى تفصيله، باعتباره دستور المستقبل أتت كما هو متوقع مخيبة للآمال التى كانت لدى البعض فى حكمة بعض من تسرب خطأ إلى اللجنة من العقلاء والمتخصصين والخبراء فى بعض المجالات، لكن إحقاقا للحق فإنه لم يخرج كارثيا كما توقع الكثيرون، وقد يكون الفضل فى ذلك للأصوات المدنية التى لم تترك من يفصل الدستور يفصله على راحته. إضافة إلى بعض الملاحظات السريعة الأولية التى سأوردها فيما بعد فإن الملحوظة الأساسية هى ذلك الانطباع الذى يخرج به من يقرأ المسودة بأن كاتبها لا تخطئه العين، فاللغة لغة التيار الدينى السياسى وهذه أولى الملاحظات.

صياغة المسودة الأولية للدستور تشبه كتابة موضوع إنشائى به الكثير من الكلمات الوصفية غير المحددة وليس دستورا يصلح كوثيقة لأجيال قادمة ماحكمة الصياغة القانونية، النصوص غير الواضحة يتم تفسيرها بعبارات وكلمات غير واضحة أيضا، فيما وصفه المشاركون بأنه «تفسير للماء بالماء».

المادة الرابعة تحمل شبهة تنصيب هيئة كبار العلماء بالأزهر، وصية على النظام السياسى، باسم مرجعيتها فى الشؤون المتعلقة بالشريعة الإسلامية، وهذا إعادة إنتاج لنظام ولاية الفقيه الإيرانى.

أما المادة التى تدلل على مدى التراجع فى مناطق مهمة فهى المادة السادسة، لتجاهلها النصوص السابقة التى تمنع قيام أحزاب على أساس دينى، والاستعاضة عنها بنص معد خصيصاً، للالتفاف حوله ينص على عدم تفرقة الأحزاب بين المواطنين على أساس الدين، وهو ما يسهل التلاعب به كما نرى من ضم أشد الأحزاب الدينية تعصبا شخوصا غير مسلمة مستعدة لأن تلعب الدور الذى تكلف به، وهو ستر عورة تلك الأحزاب مظهريا وقانونيا، وهذه المادة بصياغتها هذه نموذج للصياغات التى الغرض منها ليس تحديد وإحكام تفعيل مبادئ ما، وإنما وضعت لتسهيل الالتفاف عليها  والالتواء بها لتمرير المضاد لما توحى به مظهرياً.

فى ظل حالة الإنشاء واستخدام اللغة بأساليب حمالة الأوجه تأتى المادة «١٠» التى تنص على: «تلتزم الدولة والمجتمع برعاية الأخلاق والآداب العامة وحمايتها، والتمكين للتقاليد المصرية الأصيلة، ومراعاة المستوى الرفيع للتربية والقيم الدينية والوطنية والحقائق العلمية، والثقافة العربية والتراث التاريخى والحضارى للشعب، وذلك وفقا لما ينظمه القانون»، فهذا نص فضفاض غير محدد الملامح والأبعاد يتحدث عن مطلقات مثل «التقاليد المصرية الأصيلة» و«المستوى الرفيع للتربية والقيم الدينية»، ومثل هذه النصوص الفضفاضة هى سلاح نموذجى لكل من يريد أن يستخدمها لتتوافق مع معتقداته، وأيضا أداة للتحكم وإرهاب كل من تخول له نفسه أن يفكر بأسلوب مختلف، على أساسها يكتسب مفهوم محاكم التفتيش قاعدة للتطبيق، الغريب أن بعض العقلاء من أعضاء اللجنة تركوا مثل هذا النص يمر عليهم.

شرك آخر يكمن فى المادة الخاصة بمساواة المرأة مع الرجل وفقا لأحكام الشريعة وليس مبادئها، والفارق بينهما يتأثر بالفارق الزمنى، فالمبادئ دائمة والأحكام متغيرة حسب الزمان والمكان.

إن غياب الخبراء الاقتصاديين عن تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور انعكس بشكل كبير فى فقدان كثير من المواد صيغتها الاقتصادية المُحكمة.

كذلك ترمى مواد الدستور معظم أحكامها فى ملعب القانون، بما يتيح الكثير من التقيد فى المرحلة المقبلة.

هناك العديد من الملاحظات بعضها يحتاج إلى نقاش حقيقى، بل معارك من أجل إيقافها، لكن الملحوظة الأساسية العاجلة هى أهمية إنقاذ مصر ومستقبل أجيالها من هذا المستقبل غير محدد الملامح حمال الأوجه الذى يحمل فى طياته بدهاء التأسيس لدولة دينية والإعاقة لأى تأسيس لدولة مدنية عصرية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s