تناقضات الفعل والأقوال

بقلم عبداللطيف المناوى

نعيش حالة واضحة من التناقض بين ممارسات الواقع ولغة الخطاب الرسمى، ويبدو أحيانا – أو فى كثير من الأحيان – أن هذا التناقض مقصود، وليفهم من عليه أن يفهم الرسالة الواضحة لهذا التناقض الحاد بين مستوى القول ومستوى الفعل، وكما اختصر أجدادنا هذه الحالة فى المثل الشعبى العبقرى الذى يقول «أسمع كلامك أصدقك، أشوف أمورك أستعجب» يبدو أن الاستعجاب بات نصيبنا.

هذا التناقض الذى أتحدث عنه هو تناقض يغذى حالة الخوف على المستقبل.

الخطاب الرسمى فى مصر يرفض التفرقة بين المصريين ويدّعى هذا الخطاب أنه نظام كل المصريين، وعندما ننظر إلى واقع الممارسات التى لا تكذب نجد أن التفرقة بين المصريين على أسس الهوية والعقيدة الدينية والسياسية وصلت الآن إلى مدى الارتباط بالجماعة والولاء لها. لا أظن أن الكثير منا يجد أن الخطاب الرسمى يشكل واقعا حقيقيا على الأرض.

يتحدث الخطاب الرسمى عن إدانة التجاوز فى حقوق المصريين، لكن فى ذات الوقت نشهد حجما واضحا لممارسة هذه التجاوزات. ينفى الخطاب الرسمى وجود أى اتجاه للمساس بالحريات الشخصية، ولكن نجد قدرا كبيرا من السلوك المناقض. ومع وجود جماعات الأمر بالمعروف فى عديد من المدن، وتمتعها بغطاء من غض الطرف من الحكام الجدد – لم نجد موقفا حادا «خشنا» واضحا يدفع هؤلاء المنضمين لهذه الجماعات للتفكير مائة مرة قبل أن ينطلقوا فى الشوارع يفرضون ما يعتقدون هم أنه صحيح الدين الذى على الآخرين اتباعه، بأساليب ضد القانون، بل يُنتزع القانون من السلطة المختصة بل من الدولة.

يتحدث سادة الجماعة عن أنه لا تفرقة بين المصريين ويؤكد رئيسهم أنه لكل المصريين، ولكن على الأرض كان مفهوم الأهل والعشيرة هو السائد والحاسم فى شكل العلاقة مع المصريين. لذلك وجدنا هذا القدر من «التطهير» السياسى والإقصاء، وبات من هو قريب أو حليف أو خادم أو عضو فى الجماعة هو من له الحق فى كعكة الوطن.

من بين دلائل هذا التناقض الرئيسى بين القول والفعل تلك التأكيدات على حماية الدولة لمواطنيها، كل مواطنيها، بينما تترك بعضاً ممن يفترض أنهم من مواطنيها يقف فى مواجهة التطرف الأعمى، وهنا أشير إلى ما تعرض له بعض العائلات من تهجير من منازلهم رأته دولة الجماعة ليس تهجيرا بل هو تحقيق لمبدأ الحرية، لأن هذه الأسر اختارت أن تترك منازلها بمحض إرادتها.

صحيح أنه تحت الهجوم الإعلامى خرجت تصريحات ترفض هذا السلوك وتؤكد حق العائلات فى العودة إلى منازلهم ولكن الضرر كان قد وقع.

شاركت الأيام الماضية فى لقاءات فى نيويورك حول مفهوم الدولة المدنية والدولة الدينية، لن أتطرق هنا إلى ما دار من نقاش، ولكنى سأتوقف أمام جملة مهمة ذكرها منظم وراعى اللقاء ماجد رياض، المحامى المصرى المعروف هناك، هذه الجملة تلخص الأسلوب الأمثل لحل هذه المتناقضات التى يمارسها حكامنا الجدد، وذلك فى إطار رده على شيخ شارك بكلمة فى اللقاء تحدث فيها عن أن المسلمين فى ظل الدولة المسلمة سوف يحمون الأقباط، وكانت الجملة مفتاح الرد «نحن لا نريد دولة يحمينا فيها المسلمون، نحن نريد دولة يحمينا فيها الدستور والقانون».

أنا أظن أن هذا المفهوم لو ساد فسوف يكون فيه حل هذا التناقض نسبيا. نحن نريد دولة قانون ودستور لا دولة جماعة وأتباعها. دستور وقانون ينظمان العلاقات بين أصحاب الوطن – كل المواطنين – لا قواعد الإجارة بين القبائل، هذه دولة عمرها آلاف السنين، ولو علم من يحكمونها ذلك لاختلف السلوك المتناقض الذى نعيشه ونعانى منه.

Advertisements

One comment on “تناقضات الفعل والأقوال

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s