حتى لا نشهد سيناء «وزيرستان» أخرى

بقلم عبداللطيف المناوى

مازال الخطر يحوم حول سيناء، فى المقال الماضى تناولت قضية تبادل الأراضى مع إسرائيل، واليوم أتناول قضية أخرى غاية فى الأهمية، وكما أقول دائما إن سيناء يمكن أن تكون الرصيد المهم للوطن، ويمكن أن تكون قنبلة موقوتة، والفيصل هو أسلوب التعامل.

اهتمت وكالة «الأناضول» التركية للأنباء بإجراء حوار مع قيادى سلفى، وصفته بأنه وثيق الصلة بالتنظيمات الإسلامية المسلحة فى سيناء ويدعى «حازم المصرى»، لم يزعجنى تلويحه باستهداف الجيش المصرى، ولا اعتبارهم أن اشتباكاتهم – كما أطلق عليها – مع الجيش أو الشرطة هى «دفاع شرعى عن النفس» لا يقومون به إلا للضرورة، محذراً الجيش من التمادى فى الخوض فى المستنقع السيناوى والاشتباك مع الجهاديين، لكن ما أزعجنى هو تلويحه بأن تتكرر تجربة «وزيرستان»، فى إشارة إلى المنطقة القبلية على الحدود الأفغانية الباكستانية.

حسب ما أعلم فإن الجيش فى تعامله مع الجماعات الإرهابية هناك يحاول قدر المستطاع عدم استهداف الأرواح بقدر الرغبة فى محاصرة هذه الجماعات وإجبارها على تسليم أنفسهم ليسلمهم إلى سلطات النظام الحاكم فى مصر حاليا، غير أن الاقتصار فى التعامل مع هذا الملف الشائك فى سيناء على الجانب العسكرى هو تكرار للخطأ التاريخى الذى وقع فيه النظام السابق فى الاقتصار على التعامل الأمنى، الخشية هنا من خلق حالة ثأر بين بعض أهل سيناء والقوات المسلحة، وهذا الثأر سوف يعنى حالة من نزيف الدماء لسنين طويلة، وسوف تساعد على ذلك الطبيعة الجغرافية الصعبة للعديد من مناطق سيناء، إضافة إلى الحالة التى تعيشها مصر فى هذه المرحلة من فتح أبواب السجون والحدود لكل أطياف الإسلاميين والمحسوبين عليهم من العقلاء والإرهابيين، وأيضا ذلك التدفق للأسلحة والجماعات عبر الأنفاق والحدود بطريقة تثير الريبة، واستقبال أشخاص عرف عنهم ارتباطهم بتمويل الحركات الإسلامية الجهادية وعملياتهم بمختلف مستوياتها – استقبالا مثيرا للاهتمام فى العاصمة المصرية، عندما يكون هذا هو الحال وعندما يفلت جزء من أرض مصر من السيطرة المصرية الخالصة – إذا لم يكن هذا قد حدث جزئيا بالفعل – عند كل هذا فإننا يجب أن نتوقف بقلق حقيقى أمام المخاوف من ضياع سيناء وتحولها إلى «وزيرستان» أخرى.

«وزيرستان» الأصلية منطقة جبلية فى شمال غرب باكستان على حدودها مع أفغانستان، وهى ذات طبيعة جبلية وعرة. استقلال المنطقة ذاتيا مع ضعف السيطرة الحكومية عليها، لم يكن وليد اللحظة الحالية ولم يأت نتيجة انقلاب أو ثورة على نظام معين، بل إنه طبيعة للمنطقة منذ الأزل.

التركيب السكانى والقبلى لوزيرستان متشابك ومعقد جدا، فسكان المنطقة مكونون من ثلاث قبائل رئيسية، هى: «محسود، ووزير، وبهتانى»، إضافة إلى بعض القبائل الصغيرة.

سيطرت حركة طالبان على أفغانستان بعد هزيمة السوفيت وبدأ ظهور تنظيم القاعدة. تأثرت منطقة وزيرستان، وتعاطف الكثير من أبناء القبائل بشكل خاص مع حركة طالبان، ومع ضعف السيطرة الحكومية أو انعدامها أصلا، تكونت بيئة صالحة لتخريج متطرفين مستقبلا. مع انهيار نظام حركة طالبان فى أفغانستان فى أكتوبر ٢٠٠١، على يد قوات التحالف بقيادة أمريكا، كانت كهوف وجبال وزيرستان الأماكن الأكثر أمانا لبقايا حركة طالبان وتنظيم القاعدة.

شهدت المنطقة الحدودية بين باكستان وأفغانستان هجمات ضارية من جانب الجيش الباكستانى تدعمه القوات الأمريكية فى الفترة ما بين مارس ٢٠٠٤ وسبتمبر ٢٠٠٦، فى محاولة للسيطرة على المنطقة واستئصال الحركات المتطرفة منها، إلا أن معظم هذه الهجمات المتعاقبة فشلت فى تحقيق أهدافها.

هذه البؤرة لم تعد مجرد ملاذ آمن لمتطرفى حركة طالبان وتنظيم القاعدة، بل تحولت إلى «مركز تدريبى دولى» معتمد لدى الجماعات الإرهابية تنطلق منه إلى أهدافها، لا نريد مركزا آخر فى مصر يكون المتسبب فيه تكرار أخطاء الماضى، ووضع مصلحة «التنظيم» فوق مصلحة الوطن.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s