هل يمكن إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

بقلم  عبداللطيف المناوى

إحدى المشكلات الأساسية التى عانت منها مصر طوال العقود الأخيرة، وتضاعفت خلال الأعوام الأخيرة من عمر النظام السابق- هى تلك الحالة الشديدة من الضعف، التى انتابت جميع القوى والاتجاهات المعارضة، وأقصد تحديدا القوى المدنية، ولهذه المشكلة أسباب متعددة لا يمكن تحديد أيها أكثر أهمية وتأثيرا ولكنها بتواجدها وتفاعلها معا تسببت فى هذه الحالة من الهزال الشديد التى كانت الميزة الرئيسية والتى تميزت بها المعارضة المدنية التى خيبت الآمال وقت الجد.

السلوك الذى مارسه الحزب الحاكم فى ذلك الوقت وتزايد فى السنوات الأخيرة- كان يعتمد بشكل رئيسى على سلوك احتكارى استحواذى، اعتمد على الحرص على أن يضم فى صفوفه كل من يستطيع، والأهم أن يحول دون أن تتمكن أى قوة معارضة مدنية أخرى من تقوية صفوفها وحضورها السياسى والشعبى، ومارس الحزب الحاكم ممارسات صبت جميعها فى تقزيم المعارضة المدنية.

لكن الأمر لا يحمل وزره فقط الحكام فى ذلك الوقت ولكن للقوى المدنية المعارضة وعدد لا بأس به من السادة الليبراليين والمقيدين بكشوف الليبراليين، والذين احتلوا مواقع النخبة استسلموا لهذه الحالة، فمنهم من وجد أنه لا جدوى سوى الاستسلام للأمر الواقع، فباع المعارضة وسنينها وامتزج أو تحالف أو تزاوج مع القوة الحاكمة تحت أى مسمى، بل قررت بعض هذه القوى أن تلعب دور «الواد سيد الشغال» فى مسرحية عادل إمام الشهيرة، كمحلل لأى اجراء أو تحرك كى يكتسب شرعية بوجود أو موافقة أو مشاركة هذا المحلل. بينما بعض القوى الأخرى أصابتها أمراض النظام الحاكم نفسها، من شيخوخة القيادة والأفكار والصراع على مناصب داخل مؤسساتهم المعارضة التى لا تحظى بحضور فى الشارع. وأستطيع القول إن أكثر من فرصة لاحت لحضور قوة مدنية مؤثرة على الساحة ولكن لم تستغل، لأن أطرافها فى ذلك الوقت كانت كالطائر الذى اعتاد قفصه فرفض الطيران.

هذا الوضع كان من بين الأسباب الرئيسية التى ساهمت فى انتشار وتغلغل تيارات الدين السياسى فى المجتمع، وهى تيارات تملك بطبيعتها وطبيعة المجتمع القدرة على العيش والانتشار، رغم الظروف غير المواتية، خاصة فى ظل غياب رؤية سياسية حقيقية لدى النظام لمفهوم المعارضة المدنية إضافة إلى غياب رؤية لخطورة تغييب مثل هذه المعارضة وتهوين من قدرات جماعات الدين السياسى.

والسؤال الآن: هل حدث تغير كبير فى المجتمع؟ هل أدركت القوة الحاكمة أو القوى المدنية المعارضة الواقع الجديد؟ أظن أن الاجابة عن هذا السؤال هو واجب على أى مهتم للحفاظ على مدنية الدولة، والأهم هو التحرك من أجل تجاوز مشكلات الماضى. ولكن إجابتى عن السؤال يمكن أن أضع لها رؤوس أقلام تحتاج الى تعمق أكبر فيها ودراسة جادة متخصصة لها. لكن ما يمكننى قوله فى هذا المقام التأكيد على أن سياسات الحكام الجدد تؤكد أنهم يسلكون الطريق الاحتكارى الاستحواذى نفسه الذى كان يمارس من قبل، مع تعديلات خطيرة فى الواقع، فالحزب الحاكم الحالى يقصر احتكاره واستحواذه على المنتمين للجماعة والتابعين، فيما يمارس بأسلوب قاطع وحاسم عملية اقصاء لغير المنتمين والتابعين، بل يتمدد داخل إدارات الدولة ليسيطر على مفاصلها بشكل تام، مما يتيح له استخدام الوسائل الإدارية فى عملية «تحزيم» للمجتمع والحيلولة دون صعود تيار مدنى قوى يخلق حالة توازن نسبية فى المجتمع، والتفاصيل هنا كثيرة، والأمثلة عصية على الحصر خلال الفترة الزمنية القصيرة السابقة.

هذا على جانب الحكام الجدد، أما على جانب القوى المدنية فيبدو أن جزءا من أمراض الماضى مازال متأصلاً فى بعض هذه القوى، فظل بعضها يقوم بدور المحلل الذى أجاده من قبل، والبعض الآخر استمر فى خلافه الداخلى على قيادة مركب غير موجود بعد. أما القوى المدنية الأخرى، فقد انشغلت بتأكيد ذاتيتها ومرجعيتها ومارست سلوكا نرجسيا وتحولت إلى جزر منفصلة، بل متصادمة فى أحيان عدة، وبدلا من البحث عن مناطق الاتفاق وتوسيع قاعدة الاتفاق انشغلت بعض هذه القوى فى اتهامات متبادلة بالخيانة الثورية والانتماء للنظام السابق والتشكيك فى المواقف والانتماء للداخل والخارج، إضافة إلى رغبات زعامة تعوق التحالف والاتفاق بين هذه القوى. لسان حال الراغبين فى حماية مدنية مصر يصرخ «يا مدنيى مصر اتحدوا» لكنهم للأسف مشغولون أو مازالوا يعانون من أمراض الماضى، والنتيجة صمم يعوق سمع النداء وعجز عن الفعل الصحيح.

ليس المطلوب هنا تكوين قوة انقلاب، فالواقع الجديد بات حقيقة واقعة، لكن المطلوب وجود قوة مدنية حقيقية مؤثرة تقوم بدورها فى حماية البقية الباقية من مدنية الدولة وحماية الحريات الفردية والحد من الأداء والسلوك الاحتكارى والإقصائى.

الفكرة الرئيسية للمقال قبل كتابته كانت الإجابة عن سؤال: هل أخونة الدولة قدر أم خطر؟! ولكنى وجدت نفسى أكتب ما كتبت، وأظنه يصلح لأن يكون مقدمة للإجابة عن السؤال.

Advertisements

One comment on “هل يمكن إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

  1. الاجابه .. كلا لا يمكن انقاذ اى شئ … لان الاسباب التى ادت الى ما نحن فيه الان والتى ذكرت بعضها فى بداية مقالك … ما زالت قائمه .. بل وتتطور …الكيانات الضعيفه اصبحت اضعف … والليبراليون اذدادوا انكماشاً .. خوفا من سيف الانتقام المسلط على رؤسنا جميعا …سيدى .. انا اثق تماما ان السيئ … لم يأتى بعد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s