حين يخاف الإعلاميون

بقلم   عبداللطيف المناوى

فى مقالى الأخير الذى حمل سؤالا فى عنوانه «مصر رايحة على فين؟»، يبدو أن الإجابة عن هذا السؤال بدأت تتضح ملامحها تدريجيا، فى ظل وجود سيناريوهين مطروحين فى المشهد السياسى.

السيناريو الأول يتبدى فى استمرار مسلسل التمكين على قدم وساق فى جميع المؤسسات، والسيناريو الثانى يتمثل فى محاولة إحداث قدر من التوازن من القوى السياسية، للمحافظة على مدنية الدولة، لكن فيما يبدو فإن السيناريو الأول قد كسب أرضا واسعة بإطاحته بالقوة الوحيدة، التى كنا نعتقد أنها قادرة على الحفاظ على البقية الباقية من مدنية الدولة، وأصبحت الجماعة تحمل مسؤولية البلاد كلها.

فى المقال السابق أيضا أشرت وحذرت أيضا من الإجراءات التى قد تتخذ تجاه وسائل الإعلام، فى إطار حملة تخويف وإسكات تستخدم فيها وسائل قانونية وميليشيات قاعدية لإحداث حالة الترهيب، وهو ما يبدو أنه قد بدأ أيضا يتحقق على أرض الواقع.

ويحضرنى هنا ما ذكره أحد كبار أصحاب الرأى فى مصر مؤخرا، عندما أسر لى قائلا: «أنا بدأت أخاف»، وأذكر أننى عندما اعترضت على وقف بث قناة قلت إن هذا تعبير عن موقف ثابت التزمته فى كل الأحوال، وفى كل الأوقات انتقدته عندما كان يمارس ضمن النظام السابق الذى كان يتمتع، رغم كل ما يوجه إليه من انتقادات، بمساحة أوسع كثيرا من سعة الصدر.

ما يحدث يخلق حالة من القلق الحقيقى على مستقبل حرية التعبير فى مصر، ويؤكد جدية المخاوف التى ثارت طوال الفترة الماضية على مفاهيم الحرية العامة وحرية التعبير، فى ظل ما يحدث الآن من إجراءات تكبل هذه الحريات، حتى لو خرجت تصريحات فى مرحلة تالية تؤكد مدى التزام الجماعة بحرية التعبير ومدى جديتها فى إعطاء مساحات للتعبير عن الرأى والأفكار، وقد يكون من المناسب هنا الإشارة إلى تقرير مهم صدر عن ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان يرفض مجموعة التجاوزات والانتهاكات التى وقعت مؤخرا، وخالفت جميع المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية، وانتقصت كثيرا من قيمة حرية الصحافة والإعلام، باعتبارها مقياس الديمقراطية فى الأنظمة السياسية، فضلا عن كونها مؤشرا يؤكد جدية المخاوف من الانقضاض على الحريات العامة، نتيجة وصول الإسلاميين لمقاعد السلطة فى مصر.

التقرير رصد أهم الانتهاكات التى حدثت، وكلها ذات دلالة، حيث قامت بمصادرة صحيفة ومنع كاتبين من نشر مقالاتهما وغلق قناة فضائية، كما تم الاعتداء على أحد أعضاء الجماعة الصحفية، حيث قامت الأجهزة الرقابية بوزارة الداخلية بالتوجه إلى مطابع جريدة «الجمهورية»، وطلبت أصل صفحات جريدة الدستور «الزنكات»، بعد طباعتها بساعات قليلة، بعدما وردت إليها معلومات عن قيام الجريدة بنشر مواد صحفية تمس شخص رئيس الجمهورية الدكتور محمد مرسى، وتتناوله بقدر من الإساءة والإهانة، كما قامت صحيفة «الأهرام» بمنع مقال للكاتب والمحامى ثروت الخرباوى عن الدولة المدنية فى الإسلام من النشر تحت عنوان «ليت الذين يحكموننا يفهمون»، وذلك دون إبداء أى أسباب، كما تم اقتحام مكتب رئيس تحرير جريدة «أخبار الأدب» السابقة عبلة الروينى، ومنع مقالها فى جريدة الأخبار، بسبب اعتراضها على حذف كلمة «أخونة الصحافة» من مقالها، فى إشارة منها إلى حركة التغييرات الصحفية التى أجراها مجلس الشورى، وكان من نتائجها إبعادها عن رئاسة تحرير جريدة «أخبار الأدب» وهو المنصب الذى تتولاه منذ ما يقرب من عام ونصف العام، كما تم أيضا إغلاق قناة «الفراعين» لمدة ٦ أسابيع، وإنذارها بعدم الاستمرار على نفس الممارسات السابقة، كما تم الاعتداء على الكاتب الصحفى خالد صلاح، أمام البوابة الرابعة بمدينة الإنتاج الإعلامى، حيث فوجئ بتجمهر كبير من شباب يدعون أنهم شباب الإخوان، ويهتفون ضد من يصفونهم بـ«الإعلاميين المتحولين»، حيث قاموا بمنعه من الدخول، وتحطيم سيارته تماما.

ما سبق هو رصد بسيط لما حدث خلال الأسبوعين الماضيين، وهو يدعو بشكل جدى للخوف من تقييد الحريات. فى كل الأحوال وكل الأوقات كانت دعوتنا دائما وإيماننا الراسخ هما العمل على إرساء قواعد دولة مدنية حقيقية، وكان الأمل أن تكون التغييرات التى شهدتها مصر تسرع وتعجل بوضع أسس هذه الدولة التى كانت هناك محاولات سابقة فيها تفشل أحيانا، لكنها تستمر فى محاولة للنجاح، لكن حتى الآن يبدو أن الريح لم تأت بما تشتهيه سفن الإبحار إلى أفق دولة مدنية حقيقية حتى الآن، فالريح معاكسة.

Advertisements

2 comments on “حين يخاف الإعلاميون

  1. أ. عبد اللطيف , أولا كل سنة وانت طيب , ثانيا قرأت مقالكم , وأرى شأن كثيرين اليوم أننا في طريقنا لفقدان ميراث من الليبرالية والمدنية نشأ عقب تولي محمد علي حكم مصر وترعرع في بدايات القرن العشرين , وأننا كشعب وبأيدينا قد سلمنّا زمام الأمور في ايدي ثلة من البشر ذوي أفق فكري محدود للغاية , كما أنهم يغلّبون مصلحة الجماعة على مصلحة الوطن , لكن يتبقى من وجهة نظري ان العلاج سيأخذ وقتا طويلا جدا , فهؤلاء الشرذمة قد أتوا للحكم وتسيدوا المشهد تحت زعم مشروع اسلامي كبير ولا ريب أنه من المستحيل أن تقنع الناس بفشل هؤلاء إذ أن فشلهم سيكون فشل لمشروعهم وهو ما يسقاتلون أي فصيل عليه , ولعلك اطلعت على فتوى صادرة وصادمة وصريحة بتكفير وإهدار دم من يخرج على الحاكم ,, باختصار لعبت القوى المدنية المصرية دورا كبيرا في ضمان وصول هؤلاء لسدة الحكم ولعلهم سيكونون أول من يُنكّل بهم إن شاء الله .لك مني وفر الشكر وسعة الصدر على قراءة ما كتبته

  2. بارك الله فيكم على التدوينة المميزة

    و كل عام و انتم بخير

    بمناسبة عيد الفطر المبارك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s