مصر رايحة على فين؟

بقلم عبداللطيف المناوي
هذا هو السؤال الذى يطاردنا جميعا فى صحونا ومنامنا، حتى أبناؤنا الذين كنا نراهم أطفالا – وكنا نود لو ظلوا يعيشون عمرهم وطفولتهم – هذا السؤال أيضا بات أحد أسباب مخاوفهم وقلقهم المبكر. أحد الآثار الجانبية لما تعيشه مصر مؤخرا هو ذلك الاغتيال المبكر للطفولة بأساليب متعددة. ويظل السؤال الذى يطاردنا: مصر رايحة على فين؟.

للإجابة عن هذا السؤال قد يكون من المناسب استعراض مشروعات مصر. فى مصر مشروعان، مشروع وجود دولة قوية تنفذ ما حلموا به يوما فرفعوه شعارا ليقترب أن يكون تاريخاً وهو «عيش حرية عدالة اجتماعية» مقومات هذا المشروع دولة مدنية حقيقية تضع فى اعتبارها مصلحة المواطن اولا، تفاصيل حياته الأساسية من عيش كريم وحياة لائقة وكهرباء لا تنقطع وماء نظيف ومواصلات آدمية ومساواة أمام القانون وحرية تعبير حقيقية، عدم استبعاد أو عزل، مشاركة حقيقية فى إدارة شؤون حياتهم، باختصار أن تكون الدولة دولتهم دولة الجميع وأن يكون الوطن وطن الجميع. هذه الدولة الحلم كى تكون حقيقية تكون فى حاجة إلى نوايا صادقة من النظام الذى يقود الدولة لأن يقودها لمفهوم المواطنة لا بمفهوم العشيرة وبمفهوم الدولة لا بمفهوم الأهل ونظام يسمح بحرية التعبير، نظام يؤمن بأن «ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع» فلا يُظلم حياة مواطنيه ليضىء حياة الآخرين أياً كان هؤلاء الآخرون. نظام ولاؤه لوطنه ولمواطنيه. دولة تسقط من خانة تعريف المواطن ديانته أو انتماءه السياسى، دولة للجميع .

نظام يتخذ خطوات جادة وحقيقية من أجل دفع عجلة الإنتاج بحق مع الحفاظ على حقوق جميع الأطراف، لا العبث بحقوق أطراف من أجل مصالح خاصة أو من أجل هدف إثارى أو سياسى. دولة يقوم النظام الحاكم فيها باتخاذ خطوات جادة نحو اعطاء الامان لكل الاستثمارات المصرية والعربية والدولية بانهم ليسوا متهمين مدانين حتى تثبت براءتهم – إن ثبُتت – وأنهم ليسوا تحت مقصلة النفاق السياسى أو الرشوة السياسية لجزء من الرأى العام. باختصار نظام يؤمن بحق أن المصلحة العامة لكل الوطن والمواطنين أغلى وأهم من مصلحة جماعة أو تيار عقيدى، وأن تحالف أبناء الوطن باختلاف انتماءاتهم أبقى من أى تحالفات عقائدية أو تحالفات تتخطى حدود الوطن والمواطن. هذا المشروع هو المشروع الحلم والذى يبدوا سرابا حتى الآن، أما المشروع الآخر فهو المشروع الحادث على أرض الواقع وهو مشروع التمكين الذى تتبناه الجماعة الحاكمة وأدواتها فى حزب حاكم وحلفاء ومتسلقين ومنافقين. هو مشروع قصير النظر يدمر مفهوم الوطن ويدفع بمفهوم المواطنة إلى خانة النسيان. ملامحه الرئيسية التمكين بأى ثمن والاستحواذ على مفاصل الدولة، والمبدأ الرئيسى فيه هو الاعتماد على أهل الثقة، فلا ثقة إلا فى أبناء الجماعة ومن يأتى من خارجها الآن هو حضور وقتى للحاجة وبتوفر عنصر الجماعة فالمكان مكانه.

ما يحدث الآن أن المشروع الثانى هو الذى يتأكد كل يوم ويكسب أرضا جديدة وللأسف لا يجد من يحاول إيقافه أو الحد منه. تمت السيطرة على الإعلام بالكامل ولم تترك الجماعة فرصة إلا واستغلتها فبينما دماء شهداء رفح لم تجف بعد، فاجأنا مجلس الشورى – المطعون عليه – باتخاذ قرار بتغيير رؤساء الصحف جميعا فى حين أن القرار كان مؤجلاً إلى بعد العيد لما يلقاه من معارضة. لكن بينما الرأى العام مهموم بشهداء الوطن فلابأس من استغلال الفرصة فيضربون ضربتهم لتمكين سطوتهم. ويغلقون قناة لأنها تهاجمهم ويصمت كل الليبراليين والمسجلين فى كشوف الليبراليين على حادث الإغلاق ويجمعون أعضاءهم فى مظاهرات ترويعية لكل من يجرؤ ويخالفهم فى الإعلام ويهددون بالاقتحام ولا بأس بعد اتخاذ كل تلك الإجراءات من أن تخرج قيادتهم لتتحدث عن احترامهم لحرية التعبير. ويستغلون الموقف ليروضوا كل المؤسسات كما يستغلون الحوادث المختلفة لتأكيد سطوتهم وسلطتهم واستبعاد من يعارضهم وآخرها حادث إلقاء الأحذية أثناء جنازة الشهداء ونسوا أنهم كانوا السباقين فى معارك الأحذية وفى استخدامها وسيلة تعبير يفخرون بها وعندما رُفعت فى وجوههم اتخذوها ذريعة لكسب أرض جديدة.

ويبقى السؤال: مصر رايحة على فين؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s