السلطة المركزية يسيطر عليها كهنة فرعون حتى اليوم

 

أحد الشعارات التى رفعت لسنوات شعار اللامركزية، وكنت دائماً من غير المقتنعين بتطبيق هذا المفهوم على الأرض فى مصر، تلك الدولة التى خلقت مركزية وعاشت مركزية السلطة طوال آلاف السنين، وعبر عشرات الأنظمة السياسية ومئات الحكام. ظل المركز هو قلب الأحداث وهو هدف كل الباحثين عن التأثير. لذلك لم أشك لحظة أن الحزب الوطنى الذى كان حاكما ما هو إلا امتداد لحزب مصر، الذى كان أيضاً حاكماً، وكلاهما امتداد طبيعى للتنظيم السياسى الواحد باختلاف أسمائه، سواء الاتحاد الاشتراكى أو الاتحاد القومى أو هيئة التحرير، ظلت هذه التنظيمات جميعها تعبيراً عن السلطة المركزية الجديدة التى باتت تدير الدولة. هذه السلطة المركزية الجديدة لم تكن إلا امتداداً للسلطة المركزية التى كانت فى بلاط الملوك السابقين ووزاراتهم أو نظاراتهم، وهى أيضاً البلاط الذى كان يحكم مصر حول الحاكم أياً من كان عبر التاريخ سواء كان الحاكم مندوباً سامياً أو أميراً أو سلطاناً أو ملكاً، ويعود بنا الأمر حتى عمق التاريخ إلى بلاط الفرعون وكهنته الذين كانوا يمثلون هذه السلطة المركزية، أى ببساطة فإن السلطة المركزية القائمة اليوم ما هى إلا امتداد لسابقاتها من السلطات المركزية بأشكالها المختلفة حتى تعود إلى كهنة فرعون.

السلطة المركزية القائمة اليوم والتى تسيطر عليها الجماعة بشكل احتكارى يتأكد كل يوم ليست سوى تعبير عن مركزية شخصية الدولة المصرية، لذلك لم أستغرب أننى لمست نفس الروح والنفس اللتين سادتا أوساط الدولة فى مصر عبر تاريخها، كذلك لم يكن غريباً أن ينبت حزب الجماعة الجديد نماذج مكررة من شخصيات سادت من قبل مثل عز أو عزمى أو غيرهما حتى من نماذج رجال الأعمال، ما اختلف فقط هو اللحية والتوجه الدينى، لكن المضمون هو ذاته. أيضاً لا أستغرب تلك الحركات البهلوانية التى قام بها سياسيون وإعلاميون ورجال أعمال بالانتقال بتميز ملحوظ فى القدرات البهلوانية من اتجاه إلى آخر، كل ذلك كان متوقعا، قد تكون درجة التحول وسرعة الهرولة أكثر من استيعابها ولكن فى النهاية يظل – للأسف – سلوكاً متوقعاً.

قد يفسر هذا أيضاً إذا ما نظرنا عبر تاريخ العلاقة بين المصرى والسلطة، التى كانت إحدى صفاتها لدى العديد من المصريين أنها «غاشمة»، رغم ذلك فإن طبيعة العلاقة بين المصرى والسلطة هى ثنائية الحب والكره، يكره المصرى السلطة من نشأتها لتنظيم مياه الرى وتحصيل الضرائب، لكنه يظل دائماً حريصاً على التقرب منها والتحالف معها واحتوائها إن أمكن ولا بأس من أن يناسبها، وإذا ما عدنا إلى أمثالنا الشعبية فسنجد العديد منها التى تتحدث عن كراهية السلطة والتقرب منها فى ذات الوقت. لذلك لست من المراهنين على أن التغيير – أى تغيير – سوف يأتى من داخل جموع الناس، فالأغلب أن حالة التكيف مع السلطة المركزية أياً كانت سوف تكون هى سيدة الموقف.

أسمع من يقول إن الشعب هو الذى غير وأسقط النظام السابق، ولى هنا تعليقان، الأول أن ما حدث العام الماضى هو ما يمكن تسميته بالعاصفة المثالية التى من الصعب أن تتكرر ذات العناصر التى تجمعت لتؤدى إلى الإطاحة بمن كان يحكم فى النظام السابق. النقطة الثانية أن كل ما حدث هو أن النظام القديم على ما هو عليه من عناصر، فقط تم تغيير مواقع هذه العناصر فى المعادلة. تلك المعادلة التى ظلت تتكون من سلطة مركزية وجماعة معارضة. ما تم هو تبادل للمواقع داخل ذات المعادلة، أصبحت الجماعة الدينية هى من يمسك بتلابيب السلطة المركزية، وأصبح من كان يمسك بهذه السلطة من قبل فى موقع المعارضة. لكن النتيجة استمرار المعادلة كما هى.

ما أطرحه ليس تيئيسا ولكنه تفكير بصوت مرتفع، ويظل السؤال هل يمكن لمصر أن تخرج من أسر استمرار ورثة كهنة فرعون على مر آلاف السنين حتى الآن فى السيطرة على السلطة المركزية؟ هذا يتطلب حديثاً طويلا عن تغيير نمط علاقات الإنتاج، وقبله الحديث عن البقية الباقية من المؤمنين بمدنية الدولة، أين هم وماذا يفعلون، وهذا حديث آخر.

 
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s