وسطية الأزهر الهدف القادم

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

عندما بدأ البعض بالتظاهر أمام مكتب الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، منذ أكثر من عام، خشيت أن يدفعه ذلك إلى التخلى عن المهمة التى حملها، والتى اعتقدت وقتها أن استمراره فى منصبه سوف يكون صمام أمان لحماية الدولة التى بدت ملامح انهيار العديد من مكوناتها مبكراً. كان مفهوماً أن بعض المسؤولين قرروا منذ تلك الفترة أن يسلموا مسؤوليتهم لاقتناعهم بأن المستقبل لن يمكنهم من الاستمرار فى تحمل هذه المسؤولية بالشكل الذى يحافظ على بعض أركان الدولة من الانهيار، لذا كان الأفضل أن يحاول آخرون القيام بهذه المهمة، لكن الوضع مع شيخ الأزهر كان مختلفاً من وجهة نظرى، فبما له من مميزات شخصية نادرة، وبما للأزهر المؤسسة من قوة ذاتية اكتسبتها من النشأة والتاريخ ومكانتها فى النسيج الوطنى، هذا مجتمعاً ظننت أنه عنصر جوهرى ينبغى الحفاظ عليه بملامحه وشخصيته القائمة لمواجهة المستقبل، الذى كانت مقدماته تشير إلى ما وصلنا إليه الآن، وبالفعل تحمل الإمام الأكبر الكثير، واستطاع أن يمر صلباً من أزمة إلى أزمة، ليستمر قائداً لهذا الصرح الذى هو عنصر استقرار للدولة المصرية المدنية، ما ظلت المؤسسة محافظة على كيانها المعتدل الحافظ لوسطية الإسلام بحق وليس ادعاء، ولا تسقط فى شباك محاولات اختطافها والاستحواذ عليها، كما وقع العديد من مكونات الدولة فريسة لهذه العمليات الدؤوبة من الاختطاف والاستحواذ.

من الملاحظ أنه منذ بدايات استئثار الجماعة بشؤون البلاد والعباد فإن هناك حالة غير خافية من التربص بالمؤسسة الدينية العلمية العالمية الأعرق «الأزهر الشريف»، وهذا أمر مفهوم تماماً لجماعة قررت أن تصبغ المجتمع كله على شاكلتها وأن تسيطر على عناصر المجتمع الرئيسية، ويظل الأزهر أحد أهم هذه العناصر، إضافة إلى نقطة مهمة، وهى أن العلاقة بين الأزهر كمؤسسة، وبين الجماعة منذ نشأتها على يد حسن البنا، الذى تخرج فى كلية دار العلوم، لم تكن هى العلاقة الأمثل، الخلاف بين الأزهر والإخوان رغم بقائه فى إطار أمور محددة من وقت لآخر، إلا أنه فى حقيقة الأمر يمتد إلى ما هو أكبر وأعمق من ذلك، إذ يعد الأزهر فى طليعة القوى المناوئة لهيمنة الحكم الإخوانى والسلفى، لاسيما أن العديد من قياداته – وعلى رأسهم شيخ الأزهر – يرون أن الدولة يجب أن يبقى طابعها مدنياً، وهذا ما أكدته وثيقة الأزهر للحريات، التى ينبغى أن تلعب دورًا جوهريًا فى صياغة الدستور الجديد، وحسنا فعل شيخ الأزهر عندما أشار بوضوح إلى محاولات الجماعة وحلفائها القفز فوق مبادئ الوثيقة، وأعلن بوضوح أهمية الإبقاء على المادة الثانية من الدستور كما هى.

لن تتوقف محاولات السيطرة، والمقدمات واضحة، بدأت منذ إعلان الجماعة عن عدم رضاها على تعيين الدكتور الطيب وقت تعيينه، واستمرت بعد تسلقهم مقاعد الحكم، وبدا هذا فى تصريحات رئيس مجلس الشعب المنحل عندما هاجم الإمام الأكبر، داعياً إلى ضرورة تطبيق قانون «العزل السياسى» على الدكتور الطيب، واستمرار هذا التوجه الذى بدا فى التعاطى مع مشروع القانون الخاص بتعديل أحكام القانون ١٠٣ لسنة ١٩٦١، الذى يقضى بانتخاب شيخ الأزهر عن طريق هيئة كبار العلماء بعدما كان القانون سالف الذكر يعطى رئيس الجمهورية حق تعيين شيخ الأزهر، ليفقد الأزهر استقلاليته تماما، وصولاً إلى الأزمة الأخيرة التى حدثت بجامعة القاهرة من قبل القائمين على البروتوكول الرئاسى بتجاهل شيخ الأزهر تماماً وعدم تخصيص مقعد له فى الصفوف الأمامية، رغم أنه بمثابة رئيس وزراء.

«وسطية الأزهر» التاريخية ربما كانت السبب وراء محاولات جماعة «الإخوان المسلمين» السيطرة على المؤسسة الأزهرية، خصوصاً أن شيخها الحالى يؤكد كل يوم هذه الوسطية، حتى إنه قرر إنشاء «هيئة إعلامية» تابعة للأزهر الشريف، لتوثيق ونشر وتأكيد تلك الوسطية.

وأظن أن دكتور على جمعة، مفتى الديار، هو أيضاً أحد أهداف الاستحواذ، خاصة مع مواقفه التى منها ذلك التصريح الذى رد به على الدكتور يوسف القرضاوى بأن الأمة الإسلامية ابتليت منذ فجر التاريخ بعلماء لا يمكن أن ننكر علمهم، لكن ننكر عليهم رغبتهم الجامحة فى أن يصنعوا لأنفسهم بطولات ورقية على حساب القواعد الشرعية والمصالح المرعية، والحفاظ على نظام المجتمع واستقراره، ومحاولة إقحام ثوابت الدين فى معترك السياسة الحزبية، الأمر الذى يؤدى إلى مزيد من الفرقة والتشرذم باسم الدين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s