الحلفاء الجدد

بقلم عبداللطيف المناوى
إذا ما ذكرت «القاعدة» تبادر إلى الذهن فورا أنها العدو الأول لأمريكا، وأن معظم الدماء التى سالت على أيدى الأمريكيين وحلفائهم قد تمت إراقتها تحت مظلة محاربة «القاعدة». لكن ما لا يتذكره كثيرون أن تنظيم القاعدة هو صناعة أمريكية فى منتصف ثمانينيات القرن الماضى لمواجهة الاتحاد السوفيتى فى أفغانستان، وما إن تحقق الهدف نفضت أمريكا يدها من هؤلاء «المجاهدين» الذين انقلبوا عليها، وتحول حليف الأمس إلى عدو اليوم. وإلقاء الحلفاء بعد انتفاء الغرض منهم على قارعة الطريق هو سلوك أمريكى مارسته دائما بامتياز، موقفها من «شاه إيران ومن صدام والأسد ومشرف والقذافى ومبارك» وغيرهم – هو نموذج للسلوك الأمريكى الذى دعم هذه الأنظمة لعقود طويلة تحت شعارات الديمقراطية، وتخلص منهم تحت ذات الشعارات.والحقيقة أن المحرك الوحيد فى كل الحالات هو المصالح الأمريكية.

ولكن أين المصلحة الأمريكية فى التعاون مع «الإخوان» فى المنطقة، وهى التى دعمت دائما موقف الأنظمة فى المنطقة فى محاربة «الإخوان»؟ يجيب عن هذا ما ذكره عدد من السياسيين الأمريكيين أنهم عانوا خلال السنوات الماضية بعد انتهاء الحرب على أفغانستان والعراق التى خلقت واقعا معاديا للأمريكان فى العالم الإسلامى والعربى بشكل خاص.

وعانت أمريكا ومصالحها من اعتداءات عديدة وتهديدات تكاد تكون يومية لا تملك إلا أخذها مأخذ الجد، فعاشت أمريكا فى حالة تأهب دائمة. وكل هذه التهديدات تأتى من إسلاميين يعتقدون أن أمريكا تدعم الأنظمة القمعية فى بلادهم، وتقف ضد رغبة الشارع، لذلك كانت الرؤية الأمريكية هى التخلى عن تلك الأنظمة وفتح قنوات حوار مع هذه التنظيمات الإسلامية.

ووجدت أمريكا ضالتها فى «الإخوان» للوصول إلى تحقيق التقارب بين أمريكا والمسلمين فى العالم العربى، وجرت عشرات اللقاءات داخل السفارات وفى عواصم ومدن غربية وعربية وتركية بين مسؤولين رفيعى المستوى السياسى والأمنى والاستخباراتى وبين قيادات الجماعات قبيل الإعلان عن انطلاق «الربيع العربى»، وأعطتهم الضوء الأخضر والدعم لمواجهة الأنظمة الحالية التى لم تعد ذات نفع يذكر لأمريكا، وبذلك تستطيع أمريكا أن تعيد نفسها إلى الساحة العربية من خلال دعمها للثورات المطالبة بالحرية والديمقراطية ضد الأنظمة «الفاسدة» «الدكتاتورية» التى دعمتها أمريكا دائما، فينتفى هنا أهم الدوافع للتهديد المستمر للمصالح الأمريكية فى أمريكا والعالم من الإسلاميين بعد أن باتت داعمة لهم فى أوطانهم.

ويدلل على صحة هذا الطرح تلك الملاحظة المهمة بأن رغم ما شهده ميدان التحرير والمناطق المجاورة له من أحداث، على مدار أكثر من عام ونصف العام فإن السفارة الأمريكية اللصيقة بالميدان لم تتعرض يوما لاعتداء أو محاولة اعتداء. أيضا لم يتعرض هتاف واحد لـ«الشيطان الأكبر» أمريكا، كما يصفها الإسلاميون على الجانب الآخر للخليج، هذا على الرغم من المواقف العنترية السابقة التى كانت تتهم النظام السابق بأنه «عميل الأمريكان»، ولكن يبدو أن الرؤية من زاوية السلطة لمفهوم العمالة مختلفة.

وعلى الطرف الآخر لم يكن الأمريكان أقل كرما عندما ضغطوا بضراوة – سواء نفى وجود مثل هذه الضغوط لواء أو أكثر أو لم ينفِ – من أجل إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية بفوز مرشح الجماعة، لأنها «النتيجة الصحيحة» كما يرون. واستطعت أن أفهم لماذا كانت حالة اللامبالاة هى السائدة لدى المسؤولين الأمريكيين والغربيين، عندما كان يعرض عليهم التواصل مع أى قوى سياسية أخرى غير «الجماعة».

وجدت أمريكا نفسها الآن فى صف واحد مع «الإخوان»، من أجل تحقيق مصالح الطرفين معاً، فالأمريكان يريدون إنجاز مشروعهم بإضعاف دول المركز من جهة والسيطرة على خيرات الباقى من جهة أخرى، وقبل ذلك نزع فتيل العداء من التنظيمات الإسلامية المعادية لهم. أما «الإخوان»، فالمُهم الوصول إلى السلطة وتحقيق المشروع الإخوانى القائم منذ أكثر من ثمانين عاماً.

الدرس المستفاد: الحلفاء يتبدلون، وتبقى المصالح.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s