عندما حكم رجال الدين إيران

بقلم   عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

فى إحدى القاعات الصغيرة فى مبنى البرلمان البريطانى العتيد جلست مجموعة من المثقفين والسياسيين المصريين والبريطانيين يتناقشون حول الأحداث فى مصر. السمة المشتركة بين المصريين المشاركين أنهم جميعاً تقريباً ينتمون، أو يحسبون أنفسهم على التيار الليبرالى، الجميع قلق على مستقبل الدولة فى مصر بعد أن تمكنت أكبر وأقدم جماعات الإسلام السياسى من أن تفرض حضورها وسيطرتها على الحياة السياسية فى مصر، وتمكنت من اقتناص منصب رئيس الجمهورية، وتلت ذلك بحركة مباغتة إلى الأمام بتحدى القضاء والجيش والمجتمع ككل عندما حاولت من خلال رئيسها استكمال الاستحواذ من خلال إلغاء قرار المحكمة الدستورية العليا وإعادة البرلمان المنحل، وهى المعركة التى مازالت رحاها تدور حتى كتابة هذا المقال.

فى ظل هذه الأجواء دار النقاش فى تلك القاعة، وانقسم المصريون الحاضرون إلى قسمين، أحدهما يرى أنه ينبغى إعطاء الرئيس الجديد وجماعته فرصة، وأن يبدأ الليبراليون التعاون معه، خاصة أنه لم تتح للجماعة مثل هذه الفرصة من قبل، والقسم الآخر يعتقد أنه لا فرصة لليبراليين فى ظل حكم قوى الإسلام السياسى، وأن الحل هو أن يبدأ الليبراليون والقوى المدنية المصرية فى جمع صفوفهم لتشكيل نواة قوية وحقيقية للحفاظ على مدنية الدولة، وعدم السقوط فى فخ الحديث عن إعطاء الرئيس الجديد فرصة وأن يتعاونوا معه.

بينما النقاش محتدم طلب رجل اقترب من الستين من العمر الكلمة، وقدم نفسه باعتباره أحد المثقفين الإيرانيين الذين يعيشون فى بريطانيا منذ أكثر من ثلاثين عاماً هى عمر الثورة الإيرانية، وأشار الرجل بيده قائلا إنه فى غرفة مجاورة لتلك التى يجلسون فيها دار نقاش كان هو أحد المشاركين فيه، وكأنه النقاش الدائر اليوم، الفارق الوحيد أنه كان يدور منذ أكثر من ثلاثين سنة بين بعض المثقفين الإيرانيين وكان «الخمينى» عائداً لتوه إلى إيران ليركب ويقود الثورة الإيرانية، واعتقد كثيرون من الليبراليين أن التعاون مع قوى رجال الدين ممكن، خاصة أن كلا الطرفين شارك فى الثورة، بل إن اليسار الإيرانى هو من بدأها وركب عليها رجال الدين. وأضاف الرجل أنه لو كان يملك تسجيلاً صوتياً لحوارهم وقارنه مع الحوار الدائر اليوم لكانا متطابقين، وتساءل: «انظروا الآن أين نحن؟ بل أين إيران؟» خيم صمت على القاعة وبدا كأن من فيها يستحضر الصورة التى أيقظها الرجل لما حدث فى إيران.

لقد أتى أول مظاهر الثورة فى إيران من الطبقة الوسطى فى المدن، كانوا ينتمون فى معظمهم إلى التيار الليبرالى بمفهومه العام، أو بحد أدنى لم يكونوا جزءاً من تيار المعارضة السياسية الدينية، وكانت هؤلاء مطالبهم بناء ملكية دستورية وليس جمهورية إسلامية.

 فى المرحلة الأولى استطاع رجال الدين استيعاب هؤلاء المعارضين اليساريين والليبراليين، وتجنب «الخمينى» فى تلك الفترة الإشارة إلى القضايا الخلافية مثل «ولاية الفقيه» وغيرها من الموضوعات التى يمكن أن تتسبب فى انفضاض هذه القوى عنه، وظل الأمر على هذا المنوال إلى أن عاد «الخمينى» منتصراً فاتحاً من باريس إلى طهران فى الأول من فبراير عام ١٩٧٩ ليبدأ مرحلة جديدة من العلاقة مع القوى الليبرالية والمدنية الإيرانية التى كانت حليفة له حتى قبيل وصوله من باريس، وبدأ خطواته بالإطاحة بـ«شهبور بختيار» رئيس الوزراء، وتعيين «مهدى بازركان» معتبراً أن هذه الحكومة الجديدة هى «حكومة الله» وحذر من عصيانها، فأى عصيان لها هو «عصيان لله» ـ على حد قوله فى ذلك الوقت.

 وبدأ بعض الجنود فى الانشقاق والانضمام إلى جانبه بينما رفض البعض الآخر، فأعلن الجهاد على هؤلاء المعارضين له من العسكريين الذين لم يسلموا أنفسهم له، وانهارت القوى غير الخمينية عندما أعلن المجلس العسكرى خروجه من ساحة الصراع السياسى يوم ١١ فبراير من نفس العام ليحسم «الخمينى» الأمر لنفسه، وهو الذى كان قد قال يوماً وهو فى المنفى «إن رجال الدين لا يرغبون فى الحكم» ليتحول هو بعد ذلك ـ وفقاً للدستور الذى وضعه وقتها ـ إلى المرشد الروحى الأعلى وقائد الثورة ورئيس البلاد مدى الحياة، ووافق الإيرانيون فى ظل نشوتهم على الدستور وسلموا قيادة بلدهم لرجال الدين الذين استمروا حتى اليوم.

حكى الرجل الإيرانى تجربته بحرقة حقيقية للمصريين الحاضرين وتركهم فى حيرة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s