مصر فى مواجهة خطر التشرذم

عبد اللطيف المناوى

بقلم عبداللطيف المناوى
عندما كان يسألنى أى من الأصدقاء من ستنتخب فى انتخابات الرئاسة من بين المرشحين الذين كانوا مطروحين كنت أجيب: «سوف أنتخب مينا موحد القطرين»، وكان الحديث ينتهى ضاحكاً على ما اعتبره الكثيرون دعابة، لكن مع الأسف الشديد تحولت الدعابة إلى خطر حقيقى يحلق فوق رؤوسنا، فمصر النسيج الواحد، الوطن الواحد، الشعب الواحد، كما كنا دائماً نفاخر، يبدو أنه محل اختبار حقيقى هذه الفترة.

وقبل أن أسترسل قد يكون مناسباً فى البداية أن نتذكر من هو الملك مينا، أو الملك نارمر الشهير بلقب «موحد القطرين»، فمعه بدأ عصر الأسرات حوالى ٣٢٠٠ قبل الميلاد، واستطاع الملك مينا حاكم مملكة الجنوب توحيد الوجهين البحرى مع القبلى، وكوَّن لمصر كلها حكومة مركزية قوية، وأصبح أول حاكم يحمل عدة ألقاب، مثل: ملك الأرضين، صاحب التاجين، نسر الجنوب، ثعبان الشمال، وكان كل ذلك تمجيداً لما قام به من أعمال، وبذلك أصبح الملك «مينا» مؤسس أول أسرة حاكمة فى تاريخ مصر الفرعونية، بل فى تاريخ العالم كله، ولبس التاج المزدوج لمملكتى الشمال والجنوب.

والآن فلننظر إلى مصر فى هذه اللحظة الراهنة، لحظة عدم اليقين وعدم الحسم، ومع الأسف لحظة تطور مخاوف التشرذم. والمشهد الأول هو مشهد نتائج الانتخابات الرئاسية التى يمكن قراءتها كما يلى بغض النظر عن اسم المرشح أو من هو الفائز بها. مصر انقسمت نصفين بين الدولة الدينية والدولة المدنية، يتفوق أحدهما على الآخر ببضعة آلاف.

المصريون انقسموا إلى قطاعين كبيرين، أحدهما ذهب للإخوان اقتناعاً أو تعاطفاً أو بمقابل أو كراهية للطرف الآخر، والقطاع الآخر ذهب ليصوت لشفيق اقتناعاً أو خوفاً من المجهول، أو بحثاً عن استقرار مفقود، أو كراهية فى الطرف الآخر، وهكذا فإن العامل المشترك بين المصوتين على الاتجاهين هو الخوف والكراهية للطرف الآخر.
تعبير «كراهية» صادم وحاد، أعلم هذا ولكن مرة أخرى – مع الأسف – هذا هو ما تحكم فى توجهات العديد ممن صوت لأى من المرشحين.

وأشير هنا إلى أحد القراء الذى أرسل إلى رسالة شخصية ليقول لى فيها إن الذين ارتاحوا لحكم المحكمة الدستورية هم «الأوساخ» أمثالك من الفلول – أعتذر عن استخدام اللفظ – وعندما راجعته بتهذيب، خاصة أنه فيما يبدو من مظهره وحديثه ينتمى إلى تيار الإسلام السياسى، متوقعا أن يكتشف خطأ انفعاله وتعبيره، أوضح أنه يقصد هذا الأسلوب الذى يليق «بأمثالى».

لست هنا بصدد عرض تجربة شخصية، ولا أظن أننى أفاجئ القراء بذلك المستوى من الحوار، فقد بات إحدى علامات الحوار فى مصر الآن تلك التجاوزات، ولكن ما قصدته هو ذلك الرفض القاطع من قبل قطاع من المصريين لقطاع آخر من المصريين، ولست أدرى كيف يمكن حل هذا التناقض، هل نعود إلى وضع ما قبل مينا موحد القطرين؟

واتسق مع هذا السلوك أيضاً تلك المحاولات لفرض أمر واقع قبل حدوثه، وتلويح بقوة يمكن أن تكون سبباً فى صدامات دموية لو كانت النتائج مخالفة لما يتوقعون. ونجحت الجماعة مرة عاشرة فى خداع بعض القوى المدنية لتقف معها فى ذات الخندق ضد مدنية الدولة، وهذه القوى لم تقرأ التاريخ، أقربها تاريخ العلاقة بين القوى المدنية الثورية الإيرانية التى تحالفت مع القوى الثورية الدينية فى إيران، أين هم الآن؟

أيضا أتوقف عند التصويت الجغرافى، الجنوب صوت لمرشح الجماعة والشمال صوت لشفيق، وهذه الملاحظة تدلل أيضاً على منطقية طرح التساؤل، إما عن تأثير الفقر فى الجنوب على توجهات التصويت، خاصة مع مغريات الانتخابات، وإما عن أن المزاج فى مصر بدأ يختلف هو الآخر بين الشمال والجنوب.

قد يقول قائل إن هذه النتيجة المتقاربة جداً تدلل على تطور ديمقراطى حقيقى، مثلنا فى ذلك مثل الدول عتيقة الديمقراطية، وقناعتى الخاصة أن هذه الرؤية خاطئة، التقارب الشديد فى الغرب بين القوى السياسية والمجتمعية هو دليل على تقارب فى الرؤى، ونتاج مئات السنين من التاريخ السياسى، أما الوضع لدينا فإنه تعبير عن تشرذم مجتمع أكثر منه اختلافاً فى رؤى سياسية، وهو الأمر الذى يضع على عاتق الرئيس القادم مهمة شبيهة بمهمة موحد القطرين، شريطة ألا يمارس ممارسة مينا كما رأيناها فى لوحة الملك نارمر بالمتحف وهو يمسك بيده اليسرى ناصية واحد من «الأعداء» وذراعه اليمنى مرفوعة والصولجان فيها ليهوى به على رأس العدو الراكع أمامه فى ذل الهزيمة، ولم ندرك أن هذا الراكع كان «مصرياً» أيضاً.

والمشهد الثانى نرى فيه «مينا» متوجاً بتاج القطر الشمالى، وفى أقصى يمين المشهد نرى عشر جثث مذبوحة على الأرض، وقد وضعت الرؤوس المقطوعة بين أرجل القتلى إمعاناً فى احتقار «العدو» المهزوم. لا نريد من مينا القادم هذا السلوك، بل نريد سلوكاً يوحد الأمة التى تمر بمرحلة خطر حقيقى، ويعيد للدولة حضورها وهيبتها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s