عندما تنفس الناس الصعداء بعد حكم الدستورية

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

قد تكون الملامح الرئيسية للرئيس القادم الذى اختاره المصريون الذين ذهبوا إلى صناديق الانتخابات اليومين الماضيين قد ظهرت فى الوقت الذى ينشر فيه هذا المقال. وينبغى أن نعلم أن الخطوة الأولى الآن نحو تأسيس الدولة الجديدة هى القبول بالنتيجة التى سوف تسفر عنها هذه الانتخابات التى ارتضاها معظم المشاركين فى العملية السياسية كوسيلة من أجل إعادة بناء الدولة. ما حاول بعض الأطراف التلويح به من تهديدات إذا لم تكن نتيجة الانتخابات كما يريدون هو سلوك مرفوض، فإذا أردنا دولة ديمقراطية فإن أساس وجودها هو وجود دولة القانون، الدولة التى يكون فيها القانون هو السيد وهو الفاصل.

هذه أمنية لكن المقدمات لا تبشر بأن هذه الأمنية تلقى صدى فى الواقع، ولعل الضجة التى أثارتها القوى السياسية التى فى خندق الإسلام السياسى، خير دليل على أن ذلك المفهوم مازال غائبا، بل هو جزء من السلوك السياسى لبعض القوى. ما لم تكن نتائج الأحكام وفقا للهوى فإن الأسهل والأيسر أن تلقى بهذه الأحكام عرض الحائط، وأن تكون الوسيلة المستخدمة هى التشكيك فى القضاء وأحكامه، والتلويح بممارسات خارج حدود القانون تخويفا وإرهابا.

حكم المحكمة الدستورية الأخير لاقى موجة من التشكيك والاتهامات من قبل قوى الإسلام السياسى، واستطاعوا بشكل أو بآخر أن يصدروا فكرة أن ما تم هو انقلاب عسكرى تم استخدام المحكمة الدستورية فيه ضد رغبة الشعب، هذا التوجه نجحوا فى تمريره بالفعل إلى بعض وسائل الإعلام الأجنبية، ونسى هؤلاء أن تاريخ القضاء المصرى مع البرلمان يعود إلى عشرينيات القرن الماضى، وظل حاسما فى قضايا متعددة اختلف حولها الرأى، وظل هذا الدور غير منظم حتى تم تنظيمه فى إطار المحكمة الدستورية العليا التى تعتبر المحكمة الأعلى فى كل المجتمعات التى للقضاء دوره المحترم فيها.

سلوك الجماعات الرافضة لحكم المحكمة الدستورية القاضى بحل مجلس الشعب ورفض قانون العزل هو ما قصدته بالسلوك غير المبشر، فأولى قواعد العمل السياسى المحترم الهادف بالفعل لتأسيس الدولة الديمقراطية هو احترام القانون، لكن التلويح بأنه لو لم يتم تصحيح الوضع فى نتائج الانتخابات الرئاسية بفوز مرشحهم، الذى سوف يمتلك فى هذه الحالة القدرة على إعادة ضبط الأمور لصالحهم، فإن البديل نزولهم إلى الميادين والشوارع، وكما قال أحدهم إن الشعب المصرى الذى قدم الدماء والشهداء على استعداد لأن يقدم شهداء جدداً ودماء جديدة، وهذا التهديد بالفعل خطير ودليل على حقيقة سلوك تلك الجماعات التى حاولت أن تخفيه خلال الفترة الماضية.

رؤية هؤلاء للصواب لا تخرج عن رؤيتهم لمصلحتهم، فالصواب من وجهة نظرهم هو المرادف لمصلحتهم الخاصة وأهدافهم. والشعب الذى يتحدثون عنه لم يعطهم تفويضا ليتحدث نيابة عنهم، ومن اختاروا غيرهم من هذا الشعب ليسوا خونة كما اتهموهم، وإلا فإن معنى ذلك أن غير الخائنين من المصريين لا يتخطون عشر المصريين. ما ينبغى أن تتوقف أمامه تلك الجماعات التى تمارس الإسلام السياسى هو محاولة الإجابة ليس عن حيثيات حكم المحكمة، وليس للبحث عن أساليب الاعتراض وتحريك الشارع، ولكن يجب أن يسألوا أنفسهم لماذا استقبل هذا الحكم معظم المصريين والجماعات السياسية الأخرى بهذا القدر من الارتياح، وكأن غمة قد انزاحت عن صدورهم. أظن أن الأفضل لهؤلاء الآن أن يبحثوا فى تلك الأسباب التى جعلت من صوتوا لهم فى الانتخابات البرلمانية شعروا بالندم على تصويتهم هذا، ولماذا شعروا بأن حكم المحكمة الدستورية جاء ليخلصهم من عذاب الضمير لأنهم ساهموا فى تمكين جماعات الإسلام السياسى من التحكم فى مقدرات كل المجتمع. بدلا من التخطيط لحرق الواقع عليهم أن يدرسوا لماذا تحول البرلمان إلى أحد أهم عوامل خسارتهم بعد أن تحول إلى دليل قائم ومستمر على حقيقة نواياهم تجاه ملامح الوطن.

أظن رد فعل الشارع على حكم المحكمة أهم من حكم المحكمة لأنه دليل على طبيعة هذا الشعب الذى يرفض ما رآه من ممارسات لجماعات تريد أن تأخذ المجتمع إلى غير ما يريد، وأيا كانت نتيجة الانتخابات الرئاسية، فإن الهدف المقبل ينبغى أن يكون وضع دستور مدنى حقيقى وانتخاب برلمان معبر عن طموح كل الشعب، وهذا يتطلب خارطة طريق ولهذا حديث آخر.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s