الصامتون والصوت العالى

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

ما يستحق التعليق والحديث عنه فى مصر كثير هذه الأيام، بحيث لا تتسع مساحات محدودة لتناوله، لذا فسوف أتناول اليوم موضوعين فى هذه المساحة المحدودة لأهمية التعليق عليهما الآن وليس بعد عدة أيام.

فليتحدث الصامتون

أشرت فى المقال الماضى إلى أنه قد آن الأوان لأن تخرج القصة الحقيقية لما حدث فى ميدان التحرير منذ الخامس والعشرين من يناير، هناك قصة لم تُرو بعد، حاولت فى كتابى الأخير قدر استطاعتى، ومع ما كان لدىَّ من معلومات، ومن الزاوية التى كنت فيها – أن أرسم بعض ملامحها، ولكن الأكيد أن هناك أطرافاً أخرى فى الدولة، ومن الأشخاص الآخرين الذين كانوا يشاركون أو يتابعون ما يحدث بحكم مواقعهم أو لقربهم من مواقع الأحداث أو مواقع المتابعة واتخاذ القرار.

أدعو – بل أطلب – من تلك الأجهزة وأولئك الأشخاص أن يقدموا ما لديهم، أنا هنا أتحدث – فيما أظن – باسم قطاع كبير من المصريين الذين بدأوا يحتارون فيما يحدث، خاصة مع ما بدأ يتسرب من معلومات تتناقض مع ما ظل الإعلام والعديد من السياسيين يقدمونه طوال العام والنصف الماضيين.

وزاد على ذلك قضايا قتل المتظاهرين التى حصل معظم المتهمين فيها على أحكام بالبراءة، وأتت قضية الرئيس السابق الأخيرة، وحصول مساعدى وزير الداخلية الستة على البراءة ليلقيا مزيداً من التساؤلات الممزوجة بالغضب لعدم معرفة ما حدث، ثم أتى بعد ذلك ما تردد عن حقيقة ما حدث يوم ما اصطلح على تسميته «موقعة الجمل»، وكنت قد أشرت أيضاً إلى هذه القصة فى كتابى الأخير، وبدأت بعض المعلومات تتسرب عما حدث فى هذا اليوم من أطراف مختلفة.

أنا هنا لا أتبنى قصة بعينها أمام قصة أخرى، لكنى فقط أطلب ما يطلبه كل العقلاء من المصريين لمعرفة ماذا حدث ومن المسؤول بالأساس عن قتل المتظاهرين والآخرين من غير المتظاهرين، ومن هم هؤلاء من غير المتظاهرين؟ وماذا كانوا يفعلون؟ طمس الحقيقة هنا ليس فى مصلحة طرف ضد طرف، لكنه مسؤولية أخلاقية مسؤول عنها من يطمس أو يصمت عن تقديم ما لديه من حقائق.

أستغل هذه المناسبة المرتبكة لأطلب من كل الصامتين الذين يعرفون ويملكون أدلة وروايات ومشاهدات أن يتحدثوا، ما يحكمنى فى هذا المطلب هو منطق الأشياء، فالأكيد أن الجهة التى تولت مسؤولية البلاد منذ مساء الثامن والعشرين من يناير، وهى القوات المسلحة، لديها الكثير من ملامح الصورة الحقيقية، سواء بطائراتها التى كانت تجول فى سماء القاهرة وقتها، أو من خلال عناصرها التى كانت تتواجد فى مناطق مصر المختلفة، والأمر ذاته لدى الأجهزة الأمنية الأخرى التى كانت تتولى حماية ومتابعة البلاد فى هذه المرحلة، والأكيد أنه مع ما تمتلكه هذه الأجهزة من إمكانيات تقنية وتصويرية وتسجيلية وانتشار بشرى لعناصرها فإنها تمتلك من ملامح الصورة الكثير الذى يساعدنا نحن المواطنين البسطاء المرتبكين فى فهم ما حدث ويحدث.

أيضا أستغل هذه المناسبة لأطلب من السيد عمر سليمان، نائب الرئيس السابق، رئيس جهاز المخابرات السابق، أن يقدم هو الآخر شهادته عما حدث ليس أمام محكمة أو جهة ولكن لكل المصريين، هذه أمانة يجب على كل من يحملها أن يؤديها. قد لا يكون الوقت مناسباً لتقديم كل ملامح الصورة المتوفرة ولكنى أتحدث هنا عن كل ما يمكن عرضه وتقديمه من حقائق.

ملاحظة مهمة حول هذه القضية: ليس معنى المعرفة بحقيقة ما حدث من تفاصيل التقليل من حجم الحدث أو تفسيراته السياسية، ولا يعنى تقديم الحقيقة إنكار أن ما حدث فى ٢٥ يناير هو تحرك شعبى مصرى حقيقى أدى إلى تغيير النظام، دفع الثمن بعض من أبناء الوطن، ومن أجل هؤلاء لنا ولهم الحق فى أن نعرف الحقيقة، لذلك، فليتحدث الصامتون.

فيها يا أخفيها

ونحن صغار كان أكثر ما يزعجنا ويضايقنا عندما نلعب كرة القدم فى الشارع، أو نلعب أى لعبة جماعية أخرى من ألعاب تلك الفترة، أن يقف بعض ممن لم نرغب أن يشاركونا اللعب فى وسط الملعب ويصرخوا بصوت عال: «فيها يا أخفيها»، أى إما أن يدخل اللعبة ويشارك فيها، وأحيانا يريد أن يكون هو القائد أو الكابتن، أو يخفى اللعبة بكاملها ويمنعنا من لعبها، ويتجاهل هذا «المستعفى» أننا رفضنا أن يشاركنا فيها لأنه غير مرغوب فيه منا، أو لأنه لا يصلح لها، لكن هذا لا يستوقفه لأن كل ما يريد أن يكون فيها أو يخفيها.

الوضع الذى نحن فيه الآن يذكرنى بهذه الصورة، التى أظن أن العديد من القراء يتذكرونها بشكل أو بآخر. فبعد أن قبلت الأطراف الاحتكام إلى صندوق الانتخابات، رغم ملاحظاتى الشخصية التى أشرت إليها أكثر من مرة، إلا أن هذا ما اتفق عليه بين الأطراف المشاركة فى اللعبة السياسية الدائرة فى مصر، والغريب أن يأتى اليوم بعض الأطراف التى قبلت بالمشاركة فى ظل القواعد المتفق عليها لتحاول أن تمارس نفس ممارسة «المستعفى» أيام الطفولة صارخا «فيها يا أخفيها». يا سادة إنها ليست لعبة كرة قدم فى الشارع لكنه أمن وطن وبشر، ولا أتمنى أن يجد ذلك الصوت العالى استجابة من أى من الأطراف المؤثرة، خاصة أصحاب الشأن الحقيقى، أقصد المواطنين الذين تعبوا من العبث بهم وبحياتهم.

الغريب أن هؤلاء ليس لديهم مانع من استغلال الضغط على القضاء، والطلب من مؤسسات عادوها فى الماضى القريب أن يتعاونوا معها من أجل تحقيق رغبتهم فى اللحاق بقطار الحكم بأى صورة، ولا مانع من استخدام جميع الوسائل، حتى التى لم يستخدمها النظام الذى سقط من قبل، من أجل تحقيق هدفهم الشخصى الأسمى تحت غطاء من قنابل الدخان الثورية

مرة أخرى: ارحموا مصر وأهلها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s