تعليقان

عبد اللطيف المناوى

بقلم عبداللطيف المناوى
فى ظل الظروف التى تحكم المجتمعات الشرقية بشكل عام- ومصر بشكل خاص – كان طبيعياً أن يندفع الاتجاه الجديد نحو الحل الدينى، هذا بالإضافة إلى تعرض المجتمع لأزمة ثقة حادة سواء فى الذات، أو فى القيم التى كانت سائدة، وكان لطرح النظام السياسى فى ذلك الوقت الدين كنقطة ارتكاز له تمكنه من الاستمرار بعد سقوط المشروع القومى تأثيره أيضا فى دفع الغالبية نحو الحل الدينى.

وظهر تأثير هذا واضحاً فى تزايد المد الدينى الإسلامى وتزامنه مع المصالحة التى تمت بين النظام السياسى فى ذلك الوقت والإخوان المسلمين، وتطورت الأوضاع بعد ذلك إلى انتشار الجماعات الإسلامية باتجاهاتها المختلفة فى كل أوساط المجتمع المصرى.

وعلى الجانب القبطى تزامنت كل هذه التغيرات والانقلابات مع صعود الجيل الجديد – من اصطلح على تسميتهم جيل الأربعينيات – وتزايد قوتهم داخل الكنيسة إلى أن تمكنوا من السيطرة عليها كاملة بتقلد أحد أبرز نجوم هذا الجيل – البابا شنودة – كرسى البطريركية. وكما سبق القول فإن هذا الجيل جاء محملا بالكثير من الآمال والأهداف لخلق كنيسة قوية بمفهومهم، تتمكن من أن تكون الوعاء الطبيعى لكل أقباط مصر، وأن تتمكن من الانفراد بتمثيلهم والدفاع عنهم. ساعد على تعميق هذه النظرة الإحساس الذى سيطر على أقباط مصر فى تلك الفترة بعدم الأمان، والتخوف من اختفاء تميزهم، وكما وصف الباحثون الحالة القبطية فى تلك الحالة بأنه عندما ينخفض دور الأقباط فى المجتمع ويقل نسبيا عن الوضع السابق، يعتريهم الشعور بالخوف والقلق على وجودهم، ولهذا يظهر الميل إلى التقوقع والبعد عن العمل العام. وهنا يميل عامة الأقباط إلى الاحتماء بالكنيسة.

وقد لمست فى حواراتى مع البابا شنودة وغيره من رجال الدين القبطى أو الأقباط العاديين أن إحساسهم بالخطر قد سيطر عليهم لفترات طويلة، واتهامهم أجهزة الدولة بالانحياز ضدهم فى العديد من الحوادث اتخذوه دليلا على أنهم يواجهون مشاكل تجبرهم على أن يتخذوا حيالها موقفا.

أخطر ما يصيب أى مجتمع بشرى أن يصاب بنقص المناعة، هذا النقص يعرض المجتمع للعديد من الأمراض ويصاب المجتمع بفقدان المناعة إذا تفتتت أوصاله إلى جزر متباعدة، متصارعة أحيانا، بحيث تحكم المصلحة الذاتية قصيرة النظر توجهات أفراده وجماعاته. وقد عانى المجتمع المصرى فى الحقبة الأخيرة من نقص مناعته لأسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية – تعرضنا لبعضها – ولعل أبرز هذه الأسباب اختفاء المشروع القومى الذى يجمع كل المواطنين حوله، والتغيرات – أو الانقلابات- السياسية المتتابعة والمفاجئة والأزمة الاقتصادية، وتراجعت عناصر قوية فى بنية المجتمع، كل المجتمع، ومس التطرف – بمفهومه العام – كل الأطراف: الفرد والجماعة والدولة، كل فى موقعه. وحتى نحدد ما نقصد بالتطرف نورد معناه اللغوى الذى يعنى حالة الوقوف على طرف، أى تجاوز الموقف الوسطى المتوازن، فاختل التوازن لتطرف الجميع فى مرحلة من المراحل، فغابت عناصر المناعة الاجتماعية والسياسية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s