ما بين السحق بالحذاء والعزل بالصحراء

عبد اللطيف المناوى

بقلم عبداللطيف المناوى
ما زلت أعتقد أن الانتخابات الرئاسية التى تمر بها مصر الآن هى مرحلة سابقة لمرحلة الحسم بشأن المستقبل، وما زلت أظن أننا فى طريقنا إلى أزمة لن نتمكن من تجاوزها، ما لم تدرك القوى المحركة فى المجتمع خطورة المرحلة المقبلة، فتتفق على تجاوز المصالح الحزبية أو الحركية أو المؤسسية، وتضع المصلحة العامة فوق الجميع وتتفق على مشروع الوصول بالبلد إلى بر أمان الدولة المدنية الحقيقية، دولة القانون بحق، ويمكن من هذه النقطة الانطلاق إلى أى أفق نريد. إن لم يفعلوا ذلك فإن البديل هو ثمن باهظ وفترة طويلة، قبل أن ندرك نقطة الأمان.

نتائج المرحلة الأولى للانتخابات وردود الفعل عليها حتى الآن من القوى المختلفة لا تصب فى اتجاه الطريق الآمن، خاصة ردود الفعل الغاضبة المحذرة الكاشفة عن رغبة استحواذية تامة بأى السبل، لكن فلنتوقف أمام بعض الملاحظات الجديرة بالنظر والإمعان فيها من تجربة الجولة الأولى من الانتخابات:

– من الواضح أن السلوك السابق للانتخابات من قبل المرشحين كان مؤثرا، وبعض النتائج تؤكد هذا، فمن الواضح أن الناس قد اختاروا أصحاب المواقف الواضحة، وعاقبوا من تلون أو تنصل من جزء من تاريخه، وهذا توجه تصويتى أخلاقى مهم فى هذه المرحلة، التى نمر بها من اهتزاز فى العديد مما كنا نعتبره قيماً ثابتة فى مجتمعنا. أيضا أظهر هذا السلوك حدود قوة الحشد عند الجماعة، فى ظل ظروف ضاغطة عليها، وقد كان تفوق مرشحها الذى وصف دائما بأنه المرشح الاحتياطى مفاجئا لكثيرين، وإن كان متوقعا عند من يعرفون قدرة الجماعة تنظيميا، فى مرحلة غياب أى قوة أخرى فى مواجهتها، وأيضا يكشف قدرة مفهوم السمع والطاعة على تحريك أتباعها، حتى لو لم يعرفوا أو يقتنعوا بمن يدعمون. الأمر الآخر هو تأثير الحاجة على سلوك قطاع من الناخبين اضطر أن يقبل أن يجد لصوته ثمنا ماديا أو سلعيا، ووجد من يدفع الثمن.

النتيجة الأهم التى أفرزتها هذه الجولة هى أن صورة مصر الحقيقية تختلف عن تلك الصورة التى قدمها الإعلام وقطاع من السياسيين والمحللين السياسيين راكبى الأمواج ومنافقى من يعتقدونه مؤثرا من القوى أو الجماعات السياسية أو الدينية، أو أولئك الذين اعتقدوا أن مصر قد تم اختصارها – بقراها ومدنها التى تجاوزت الخمسة آلاف – فى ذلك النفر الذى يعيش فى القاهرة ويحتل شاشات القنوات التليفزيونية، أو أن مصر كلها قد اختزلت فى ميدان التحرير. لقد بات واضحا اليوم أن مصر منقسمة على نفسها، هناك ثلاثة أقسام رئيسية تشكل الجسد المصرى الآن، القوى الدينية التقليدية الممثلة فى الجماعة ومن معها من جماعات دينية أصغر، وهؤلاء لهم وجود واضح وأتباع ومريدون يشكلون قوة كبيرة ينبغى القبول بها أيا كانت تفسيرات وجودها. الجزء الآخر من الجسد المصرى هو القوى الشابة وقوى الرغبة فى التغيير، وهى الأخرى قوة مؤثرة وكبيرة فى الجسد المصرى، بل هى القوة التى أحدثت التغيير الكبير الذى شهدته مصر، وكان يمكن لهذه القوى أن تكون صاحبة القدرة على الحسم، لو مارست منذ البداية سلوكا واقعيا سياسيا يمكنها من حشد المصريين جميعهم معها بدلا من خلق حالة التوتر والقلق لديهم.

الجزء الثالث من الجسد المصرى هو أولئك الباحثون عن الاستقرار والراغبون فى العيش بأمان، هؤلاء كانوا على استعداد لأن يكونوا مع قوى التغيير، لو أنها كانت قوة راشدة تتفهم طبيعة الشخصية المصرية واحتياجات العيش والاستقرار، هؤلاء الراغبون فى الاستقرار يعلمون أنهم لا ينتجون نظاما قديما عندما يختارون طريقا بعينه، لأن إنتاج النظام القديم لم يعد ممكنا، حتى لو عاد كل أطرافه، هذه القوى التى عبرت عن نفسها من خلال التصويت أثبتت أنها موجودة بقوة فى الجسد المصرى، وأنها تشكل قطاعا كبيرا، وليس كما حاول الإعلام أن يصورها على أنها قلة مطلوب سحقها بالأحذية – كما تفضل تهذيبا أحد المرشحين بوصفها – إنما هى حاضرة مؤثرة لها حقوقها فى هذا الوطن.

ردود الفعل الغاضبة من بعض القوى الدينية وقوى التغيير على حضور وتأثير الصوت المصرى الراغب فى الاستقرار هى تعبير عن صعوبة المرور بسلام، وحالة الهياج التى أصابت بعض أطراف الجماعة نتيجة الحقيقة التى أفرزتها الانتخابات هى نذير شؤم لما هو قادم، والتلويح بالنزول إلى الشارع مرة أخرى لو أتت النتيجة على غير ما تريد هو أقصى أشكال البلطجة السياسية. من يريد أن يمر بمصر المرحلة المقبلة ليس أمامه إلا أن يعترف بكل مكوناتها، لا أن يسحق جزءاً منها بالحذاء، والبديل أن يضع المرشح فى برنامجه الانتخابى إعادة فتح معسكرات الاعتقال فى الصحراء الغربية مرة أخرى، ليضع فيها هؤلاء الذين تجرأوا على المطالبة بالاستقرار أو بمدنية الدولة، ويمكن أن يجد عنوانا براقا لهذا الإجراء، بوضعه تحت بند «تعمير الصحراء».

ليت مصلحة الوطن تعلو فوق مصالح الجماعات وسواد الرغبة فى الانتقام والتشفى.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s