لا أستثنى منكم أحداً

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

عنوان هذا المقال هو آخر مقطع لقصيدة «القدس» للشاعر العراقى مظفر النواب، كان يقولها مشيرا بأصبع الاتهام إلى الجميع، حكاماً ومحكومين، عما آلت إليه «القدس»، منذ فترة ليست بالقليلة يطاردنى هذا المقطع عندما أنظر لما آلت إليه الأحوال فى بلدنا، وعما يواجه بر مصر من أزمات يتسبب فيها بشكل أساسى بعض من أبنائها، بل الأدق كثير من أبنائها، من مختلف التيارات والاتجاهات ومواقع المسؤولية المختلفة: سياسية، إعلامية، ثقافية، دينية، أو عسكرية.

دعونا نتفق فى البداية على أن الأحوال فى مصر قد وصلت إلى حالة من حالات السيناريوهات المفتوحة، كل الاحتمالات واردة ابتداءً من إتمام العملية الانتخابية، انتهاء باحتمالات الانقلاب العسكرى، مروراً باحتمالات النهايات السعيدة «لتيار الإسلام السياسى بالطبع» أو احتمالات الصدام التى لا يدرك حدودها أحد. ويتزامن مع هذه الحالة وضع اقتصادى يزداد تدهوراً بمعدلات ينافس فيها حالة التدهور السياسى التى يعانيها الوطن.

لماذا وصلنا إلى هذه الحالة؟ هذا هو السؤال الذى يطاردنا. البعض من القوى السياسية الفاعلة على الساحة تسارع بتوجيه أصبع الاتهام إلى الآخرين، دون أن يدروا أنهم بينما يوجهون أصبعاً واحداً نحو الآخرين، فإن هناك ثلاثة أصابع تشير إليهم. لكن الواقع وقراءة ما حدث ويحدث حتى الآن يجيب عن السؤال ببساطة، وهى الإجابة التى اخترتها عنوانا للمقال: «لا أستثنى منكم أحداً».

نعم الكل مسؤول، لم تمتلك أى قوة سياسية أو فاعلة رؤية واضحة منذ البداية، وهنا أتحدث عن الشباب الذين رفضوا التفكير المنطقى لتنظيم صفوفهم وخلق جسد سياسى جديد يكونون من خلاله رقماً سياسياً موجوداً ومؤثراً فى ميزان القوى السياسية، وبدلا من ذلك تسابقوا فى تشكيل الكيانات الهشة التى تجاوزت الثلاثمائة حركة وائتلاف، تسابق بعضها فى الظهور الإعلامى، إرضاء للذات والأهل والأصدقاء، وهكذا أضاعوا على أنفسهم وعلى الوطن فرصة لست أدرى إن كان تكرارها وارداً على الإطلاق فى ظل اختلال المعادلة الظاهر، وإن كان توقعى ليس فى خانة التفاؤل. القوة الأخرى هى تيارات الإسلام السياسى، التى مارست كل أنواع الالتفاف السياسى، فتحالفت وقت احتاجت التحالف، وخاصمت وقت الكسب من الخصام، ويسألنى سائل هنا: أين أخطأوا إذن؟ فأجيب: لأنهم وضعوا هدفهم الرئيسى هو تحقيق مصلحة وهدف الجماعة دون الاعتبار لمصلحة الدولة المصرية، التى أعلوا عليها مفهوم الدولة الدينية بمفهومها العابر للحدود.

القوة الثالثة هى القوى الحزبية التقليدية، التى عانت من الحصار لسنوات طويلة فى وقت ما من عمر النظام السابق، وهى معاناة لم تمكنها من التخلص من أمراضها بعدما خف عنها الحصار، سواء فى فترات من عمر النظام السابق أو فى ظل النظام الحالى، فاستعانت على هذا الهزال بأسهل الطرق، وأسهلها هنا هو البحث عن المكسب السريع المضمون بتحالفات انتهازية صغيرة هنا وهناك، لتحقيق ما يعتقده البعض من قادتها من أمجاد شخصية، هى فى حقيقتها ليست أكثر من تيجان من ورق لا قيمة لها.

انقلب بعض هذه القوى مع الثابت من عقيدتها السياسية، فتحالفت مع أى من الأطراف التى تحقق مصلحتها الضيقة، ولم تحاول أن تقف برؤية للمستقبل، ولم تحارب هذه القوى من أجل الوطن، كل الوطن. أما الإخوة الليبراليون، أو من أطلق عليهم المسجلون فى كشوف الليبراليين، فلم يختلفوا كثيرا عن القوى الأخرى، ورأينا ليبراليين متأسلمين ومتعسكرين ومتمركسين ومن كل الألوان، وتخلى هؤلاء، المفترض أنهم يمثلون النخبة القائدة للمجتمع، عن أداء دورهم المنتظر منهم. وأصل إلى المجلس العسكرى، الذى مارس بامتياز إضاعة الفرص الواحدة تلو الأخرى، وتبنى مفهوما غريباً منذ اللحظة الأولى، أنه جاء ليدير لا ليحكم، وكان هذا الموقف سبباً فى تلك الإدارة التى واجهت اتهامات بأنها إدارة بأيدٍ مرتعشة وغير حاسمة.

أيضاً استسلم المجلس لتلك الحالة من المقاطعة التى فرضتها عليه القوى الليبرالية، أو المسجلون على قوائمها، والأقباط والشباب بمختلف اتجاهاتهم عندما اعتبروا أن التعاون مع المجلس العسكرى يتناقض مع السلوك الثورى، ولم يدرك هؤلاء أن القوة الوحيدة التى كانت قادرة على ضمان الحد الأدنى من مدنية الدولة هى القوات المسلحة، ولكن هذا تاه وسط الصخب الكبير الذى مارسته بعض هذه القوى وشارك فيه باقتدار العديد من الزملاء الإعلاميين، الذين لم يكن همهم سوى الانتشار السريع، أو ما اعتبروه عمليات تطهر، وهذا الطريق لا يمر إلا من خلال طريق معاداة المجلس العسكرى.

المهم أن المجلس الذى كان ينبغى أن يحكم ويدير بقدرة وثبات أكبر استسلم لهذا الواقع، ولم يجد أمامه سوى التيار الإسلامى السياسى، فتعاون معه منفرداً فى بعض الأحيان مما أثار الشك فى وجود تحالف غير معلن. وأظن أن الخطأ الكبير الذى وقع فيه المجلس، هو أنه ظن أنه قادر على التعامل مع هذه القوى دون أن يدرك أنه لا يمتلك من الخبث السياسى ما لدى هؤلاء، وأظنهم لم يقبلوا أن يصدقوا فى مرحلة ما أن اقتراب وتعاون هذه التيارات معه لا يحكمها سوى مصلحتها فقط، وأنه فى اللحظة التى تتحقق فيها المصلحة سوف ينقلبون عليها، لم يريدوا أن يصدقوا ذلك، ولكن أظن أنه اقتنعوا الآن، ولكن الوقت تأخر كثيراً. كان المتصور ألا يستسلم المجلس لهذا الواقع الذى فرضه العديد من القوى السياسية وألا يختار الطريق الأسهل.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s