عيد القيامة المصرى فى ظلال القلق

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

الطريق إلى الكاتدرائية فى العباسية أعاد إلى ذاكرتى الكثير من الأحداث، وأتاح لى الفرصة لأرى كيف تغير شكل الشارع كثيرا فى القاهرة. بعد مغامرة القيادة دون إصابة أو خناقة لفظية أو جسدية، وصلت إلى مبنى الكاتدرائية لأهنئ الأصدقاء والإخوة المصريين الأقباط بعيد الميلاد، هى المرة الأولى التى أذهب هناك دون أن يكون البابا شنودة موجودا، ولكن ما لمسته فى الحقيقة أنه كان الغائب الحاضر.. تذكرت حالة القلق التى لمستها فى حديثه وصوته آخر مرات التقيته أو حدثته فيها، لم يكن قلقاً على طائفة ولكنه كان قلقا على وطن. قلق من مصرى أن تتغير ملامح هذا الوطن إلى ملامح لا يعرفها ولا نعرفها، أظنه كان تعبيرا عن قلق كثيرين فى هذا الوقت، وهو قلق مازال حاضرا فى الأجواء ويتأكد حتى الآن.

رغم ذلك المزيج من أجواء الحزن لغياب البابا والأجواء الروحانية وأيضا الاحتفالية بمناسبة العيد فإن ما كان حاضرا بقوة كما فى كل مصر هو ذلك الإحساس العام بالقلق على مستقبل مصر، وكان يتسرب بين تهنئة العيد دوماً الإشارة إلى التخوف حول ماذا بعد، وكيف هو شكل مصر المستقبل. حديثى مع الأنبا باخوميوس كشف لى عن شخصية راغبة فى استمرار الحالة المصرية المتسامحة المتصالحة، وجدته يبحث ويؤكد السبل التى يمكن أن توصل لهذا الطريق، وعن الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا قادة ومؤثرين لتأكيد هذا الاختيار لشكل مصر المستقبل.

شعرت بسعادة حقيقية عندما دخلت إلى المكان ووجدت الوجوه التى عرفتها والتقيتها كثيرا، الأنبا موسى، والأنبا يوأنس والأنبا أرميا والأنبا مرقص وكثيراً من الأصدقاء، وسعدت بهذا القدر من الدفء فى الاستقبال. وكانت سعادتى أيضا كبيرة عندما التقيت بذلك الرجل الذى أعاد لموقعه مكانته، فضيلة الإمام الأكبر د.أحمد الطيب، شيخ الأزهر، الذى أتى مهنئا بالعيد.

سألتنى إحدى القنوات التليفزيونية لأقول كلمة للأقباط، فاخترت أن تكون الكلمة لكل المصريين بمناسبة عيد القيامة، فهو ليس عيدا قبطيا فقط، ولكنه أيضا عيد مصرى، فعندما دخلت المسيحية مصر جاء «عيد القيامة» موافقاً لاحتفال المصريين بعيده، فكان احتفال الأقباط بعيد الفصح – أو «عيد القيامة» – فى يوم الأحد، ويليه مباشرة عيد «شم النسيم» يوم الاثنين، ويوم شم النسيم هو يوم احتفال ورثه المصريون عن آبائهم الفراعنة، واستمر الاحتفال بهذا العيد تقليدًا متوارثًا تتناقله الأجيال عبر الأزمان والعصور، يحمل ذات المراسم والطقوس، وذات العادات والتقاليد، التى لم يطرأ عليها أدنى تغيير منذ عصر الفراعنة وحتى الآن، وعندما دخل الإسلام مصر أصبح المصريون جميعا، أقباطاً ومسلمين، يحتفلون بذلك العيد المصرى، بعد أن يحتفلوا جميعا بعيد القيامة.

تظل مصر الوطن تحمل داخلها ثقافتها، مصر الوطن قادرة دائما على مر التاريخ أن تتجاوب وتتفاعل مع كل الثقافات التى مرت بها وعاشت فيها، حتى تكون ذلك النسيج الفريد للشخصية المصرية، وبات لمصر مذاقها الخاص فى التعامل مع الثقافات بل الديانات، فكل ثقافة مرت أو دين دخل إلى مصر اكتسب مذاقا مصريا خالصا، ولم تتمكن ثقافة من البقاء بمصر إلا بتجاوبها مع طبيعة الشخصية المصرية الوسطية المعتدلة ذات المزاج الخاص.

مصر هى ذلك الوطن الذى خلق ليبقى، ويظل المصريون هم ذخيرة وزينة هذا الوطن إذا أرادوا بحق.. كل عام ونحن المصريين جميعاً بخير.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s