شؤون مصرية فى أربيل

عبد اللطيف المناوى

بقلم عبداللطيف المناوى
تظل مصر حاضرة فى الذهن العربى، ويظل التأكيد على أنه لا صلاح لحال العرب دون أن تجد مصر طريقها الصحيح لتكون دليلا وتقود التحرك العربى. هذه حقيقة سواء اتفقت السياسات أو اختلفت، وحتى لو نازع هذه الحقيقة بعض الكيانات التى تتحدى حقائق التاريخ والجغرافيا.. هذا ما ظللت أسمعه دوماً فى أى ملتقى عربى، وهذا أيضا ما تكرر سماعى له هذا الأسبوع من عديد من المثقفين العرب الذين شاركوا فى معرض أربيل الدولى السابع للكتاب، الذى جمع عدداً من المثقفين العرب من مختلف الدول العربية.. الاتفاق الرئيسى بينهم هو تلك الحقيقة التى ذكرتها سابقاً لكنها مغلفة بقدر كبير من القلق على مستقبل مصر وبالتالى العالم العربى.

من أكثر الأسئلة التى باتت تصيبنى بقدر من الحزن هو ذلك السؤال المتكرر فى كل مكان عن أحوال مصر، سبب حزنى هو أن السؤال عادة ما يكون مغلفا بقدر واضح من الحزن والتعاطف والأسى من قبل السائل، وهذا يذكرنى بالوقت الذى كنا نسأل فيه ذات السؤال عن أحوال العراق أو السودان عندما كانت تمر بفترات صعبة، يحزننى أن مصر تمر الآن بحق بفترات صعبة، ويؤلمنى أن نتعرض نحن لهذه الحالة التى تدفع الآخر للأسى على أحوالنا.. مصر بحق لا تستحق منا ذلك.

هناك حالة بين المثقفين العرب والمصريين الذين التقيت بهم فى أربيل، هى مزيج من التسليم والقلق، التسليم بأن مصر قد دخلت الحالة الإسلامية السياسية، وأن الإخوان هم حكام المرحلة المقبلة، وتسليمهم بهذه الحالة هو ذاته سبب قلقهم، القلق على مدنية الدولة، ما لاحظته أن البعض نتيجة حالة الرفض الكامل لكل ما سبق بات مستعدا لأى مستقبل شريطة ألا تعود مصر للحكم العسكرى، كما يرون ماضى مصر خلال الستين عاماً الماضية، ويراهنون على أن مصر بناسها وثقافتها الخاصة لن تستسلم بسهولة لسيطرة الإسلام السياسى، وأنه إذا كان هؤلاء يريدون أن يحكموا مصر فليس أمامهم إلا احترام الخصوصية المصرية حتى فى فهم وممارسة الدين، وهؤلاء يعتقدون أن المصريين سوف يصححون مسارهم بعد فترة، ويراهنون على طبيعة المصرى الوسطية على مر التاريخ، ببساطة فإن مصر غير مؤهلة لأن تكون «إيران أخرى»، وسوف تنجح الحالة المصرية فى احتواء الحالة الإسلامية السياسية لتكون منتجاً جديداً ليس هو بالضرورة كباقى النماذج الحاضرة فى الساحة اليوم.

على الطريق الآخر تقف مجموعة أخرى لتؤكد دخول مصر إلى عصر الدولة الدينية، وأن هؤلاء الذين يراهنون على وسطية مصر لا يقدرون حقيقة وقدرات تيار الإسلام السياسى الممثل فى الإخوان المسلمين القادر على التغلغل فى نسيج المجتمع والدولة، والذى يقوم بالفعل بهذا الدور حالياً دون أن يلحظ ذلك كثيرون، وأن الخشية أن يكون كل ما مرت به مصر خلال العام الماضى وخلال الأعوام المقبلة هو ممارسة انتخابات حرة لمرة واحدة كمظهر وحيد للديمقراطية، هؤلاء يحملون نظرة يسميها غيرهم «نظرة تشاؤمية»، ويسمونها هم «نظرة واقعية».

الطرفان اجتمعا على تحميل النخبة مسؤولية تراجع الآمال فى أن تنتج مصر تجربة ديمقراطية حقيقة، وأيضاً مسؤولية تراجع حلم الدولة المدنية، وذلك بما أطلقوا عليه تخلى النخبة وتخاذلها لأسباب مختلفة، منها طبيعة تكوينها، وطبيعة علاقتها بالسلطة على مر العصور.

كان من أكثر التعليقات التى توقفت أمامها عندما كنا نناقش ككل العرب الآن من هو رئيس مصر المقبل، ذلك الرد من أحد المثقفين المصريين عندما قال «لدى أسباب واضحة لرفض أن أصوت لأى مرشح من المرشحين المطروحين على الساحة الآن، ولكن ليس لدى أى أسباب لأعطى صوتى لأى من المرشحين»، وكان هذا التعليق من أكثر التعليقات التى حظيت بإجماع.

وتظل تفاصيل ما شهدته مصر هى الموضوع الأكثر إثارة وجدلاً حتى الآن، وقد تحولت ليلة لدى المثقف والسياسى العراقى المعروف فخرى كريم، وهو رئيس مؤسسة المدى التى تحمل على عاتقها إقامة معرض الكتاب هناك ـ تحولت الليلة فى منزله إلى حوار وجدل طويل حول ما شهدته مصر خلال تلك الأيام، وكان الاهتمام عظيماً.

هذه بعض أجواء ما يدور بين المثقفين العرب الذين جمعهم الاهتمام بالكتاب، وسيطر عليهم الهم العربى وعلى رأس القائمة الآن مصر.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s